قَالَ صَالِحٌ: وَحَدَّثَنِي أَبِي، ثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخَنَا يُحَدِّثُ قَالَ: اسْتَعْمَلَ بَعْضُ أُمَرَاءِ الْبَصْرَةِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ وَاسِعٍ عَلَى الشُّرْطَةِ، فَأَتَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ وَاسِعٍ فَقِيلَ لِلْأَمِيرِ مُحَمَّدٌ بِالْبَابِ. فَقَالَ لِلْقَوْمِ: ظُنُّوا بِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: جَاءَ يَشْكُرُ لِلْأَمِيرِ اسْتَعْمَلَ ابْنَهُ. فَقَالَ: لَا وَلَكِنَّهُ جَاءَ يَطْلُبُ لِابْنِهِ الْإِعْفَاءَ - أَوْ قَالَ الْعَافِيَةَ - قَالَ فَأَذِنَ لَهُ فَلَمَّا دَخَلَ، قَالَ: أَيُّهَا الْأَمِيرُ بَلَغَنِي أَنَّكَ اسْتَعْمَلْتَ ابْنِي وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تَسْتُرَنَا يَسْتُرُكَ اللَّهُ. قَالَ: قَدْ أَعْفَيْنَاهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ. قَالَ أَبُو الْفَضْلِ صَالِحٌ: «ثُمَّ كَتَبَ لَنَا بِشَيْءٍ فَبَلَغَهُ فَجَاءَ إِلَى الْكُوَّةِ الَّتِي فِي الْبَابِ» فَقَالَ: يَا صَالِحُ انْظُرْ مَا كَانَ لِلْحَسَنِ عَلَيَّ فَاذْهَبْ بِهِ إِلَى بُورَانَ حَتَّى يَتَصَدَّقَ بِهِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَ -[215]- مِنْهُ. فَقُلْتُ: وَمَا عِلْمُ بُورَانَ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ أَخَذَ هَذَا، فَقَالَ: افْعَلْ مَا أَقُولُ لَكَ، فَوَجَّهْتُ بِمَا كَانَ أَصَابَهُمَا إِلَى بُورَانَ وَكَانَ إِذَا بَلَغَهُ أَنَّا قَبَضْنَا شَيْئًا طُوَى تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَلَمْ يُفْطِرْ، ثُمَّ مَكَثَ أَشْهُرًا لَا أَدْخُلُ إِلَيْهِ، ثُمَّ فَتَحَ الصِّبْيَانُ الْبَابَ وَدَخَلُوا غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ إِلَيْهِ مِنْ مَنْزِلِي شَيْءٌ، ثُمَّ وَجَّهْتُ إِلَيْهِ يَا أَبَتِ قَدْ طَالَ هَذَا الْأَمْرُ وَقَدِ اشْتَقْتُ إِلَيْكَ فَسَكَتَ. فَدَخَلْتُ إِلَيْهِ فَأَكْبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ تُدْخِلُ عَلَى نَفْسِكَ هَذَا الْغَمَّ. فَقَالَ، يَا بُنَيَّ يَأْتِينِي مَا لَا أَمْلِكُهُ، ثُمَّ مَكَثْنَا مُدَّةً لَمْ نَأْخُذْ شَيْئًا، ثُمَّ كُتِبَ لَنَا بِشَيْءٍ فَقَبَضْنَا فَلَمَّا بَلَغَهُ هَجَرَنَا أَشْهُرًا فَكَلَّمَهُ بُورَانَ وَوَجَّهَ إِلَى بُورَانَ فَدَخَلْتُ فَقَالَ لَهُ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ: صَالِحٌ يُرْضِيكَ اللَّهُ. فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّدٍ وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ أَعَزَّ الْخَلْقِ عَلَيَّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَرَدْتُ لَهُ مَا أَرَدْتُ لَهُ إِلَّا مَا أَرَدْتُ لِنَفْسِي. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ وَمَنْ رَأَيْتَ أَنْتَ أَوْ مَنْ لَقِيتَ قَوِيَ عَلَى مَا قَوِيتَ أَنْتَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: وَتَحْتَجُّ عَلَيَّ؟ قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: ثُمَّ كَتَبَ أَبِي رَحِمَهُ اللَّهُ إِلَى يَحْيَى بْنِ خَاقَانَ يَسْأَلُهُ وَيَعْزِمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُعِينُنَا عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَرْزَاقِنَا وَلَا يَتَكَلَّمُ فِيهِ، فَبَلَغَنِي فَوَجَّهْتُ إِلَى الْقَيِّمِ لَنَا وَهُوُ ابْنُ غَالِبِ بْنِ بِنْتِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَمْرٍو، وَقَدْ كُنْتُ قُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ إِنَّهُ يَكْبُرُ عَلَيْكَ وَقَدْ عَزَمْتُ إِذَا حَدَثَ أَمْرٌ أَخْبَرْتُكَ بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ رَسُولُهُ بِالْكِتَابِ إِلَى يَحْيَى أَخَذَهُ مِنْ صَاحِبِ الْخَبَرِ قَالَ: فَأَخَذْتُ نُسْخَتَهُ وَوَصَلْتُ إِلَى الْمُتَوَكِّلِ، فَقَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ: كَمْ مِنْ شَهْرٍ لِوَلَدِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: عَشْرَةُ أَشْهُرٍ، قَالَ تَحْمِلُ السَّاعَةَ إِلَيْهِمْ أَرْبَعُونَ أَلْفَ دِرْهَمٍ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ صِحَاحًا وَلَا يَعْلَمُ بِهَا، فَقَالَ يَحْيَى لِلْقَيِّمِ: أَنَا أَكْتُبُ إِلَى صَالِحٍ وَأُعْلِمُهُ، فَوَرَدَ عَلَيَّ كِتَابَهُ فَوَجَّهْتُ إِلَى أَبِي أُعْلِمُهُ فَقَالَ الَّذِي أَخْبَرَهُ إِنَّهُ سَكَتَ قَلِيلًا وَضَرَبَ بِذَقَنِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ: مَا حِيلَتِي إِذَا أَرَدْتُ أَمْرًا وَأَرَادَ اللَّهُ أَمْرًا. قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَجَاءَ رَسُولُ الْمُتَوَكِّلِ إِلَى أَبِي يَقُولُ: لَوْ سَلِمَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ سَلِمْتَ، رَفَعَ رَجُلٌ إِلَيَّ وَقْتَ كَذَا أَنَّ عَلَوِيًّا قَدِمَ مِنْ خُرَاسَانَ وَأَنَّكَ وَجَّهْتَ إِلَيْهِ بِمَنْ يَلْقَاهُ وَقَدْ حَبَسْتُ الرَّجُلَ وَأَرَدْتُ ضَرْبَهُ وَكَرِهْتُ أَنْ تَغْتَمَّ فَمُرْ فِيهِ. فَقَالَ: هَذَا بَاطِلٌ تُخَلِّي سَبِيلَهُ. قَالَ: وَكَانَ رَسُولُ الْمُتَوَكِّلِ يَأْتِي أَبِي يُبْلِغُهُ السَّلَامَ وَيَسْأَلُهُ عَنْ حَالِهِ فَنُسَرُّ نَحْنُ بِذَلِكَ فَتَأْخُذُهُ نَفْضَةٌ حَتَّى نُدِثِّرَهُ وَيَقُولُ: وَاللَّهِ لَوْ أَنَّ نَفْسِي فِي يَدِي لَأَرْسَلْتُهَا وَيَضُمُّ أَصَابِعَهُ وَيَفْتَحُهَا