قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيتُ الْمَجْهُودَ مِنْ نَفْسِي، وَلَوَدِدْتُ أَنْ أَنْجُوَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ كَفَافًا لَا عَلَيَّ وَلَا لِيَ»، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: فَأَخْبَرَنِي أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ كَانَا مَعَهُ وَقَدْ كَانَ هَذَا الرَّجُلُ - يَعْنِي صَاحِبَ الشَّافِعِيِّ - صَاحِبَ حَدِيثٍ قَدْ سَمِعَ وَنَظَرَ ثُمَّ جَاءَنِي بَعْدُ، فَقَالَ لِي: يَا ابْنَ أَخِي رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ أَحَدًا يُشْبِهُهُ قَدْ جَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ فِي وَقْتِ مَا يُوَجَّهُ إِلَيْنَا بِالطَّعَامِ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَنْتَ صَائِمٌ وَأَنْتَ فِي مَوْضِعِ مَسْغَبَةٍ، وَلَقَدْ عَطِشَ فَقَالَ لِصَاحِبِ الشَّرَابِ نَاوِلْنِي فَنَاوَلَهُ قَدَحًا فِيهِ مَاءٌ وَثَلْجٌ فَأَخَذَهُ فَنَظَرَ إِلَيْهِ هُنَيْهَةً ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيْهِ قَالَ: فَجَعَلْتُ أَعْجَبُ إِلَيْهِ مِنْ صَبْرِهِ عَلَى الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْهَوْلِ، قَالَ أَبُو الْفَضْلِ: وَكُنْتُ أَلْتَمِسُ وَأَحْتَالُ أَنْ أُوصِلَ إِلَيْهِ طَعَامًا أَوْ رَغِيفًا أَوْ رَغِيفَيْنِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ، فَلَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، وَأَخْبَرَنِي رَجُلٌ حَضَرَهُ، قَالَ: تَفَقَّدْتُهُ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ وَهُمْ يُنَاظِرُونَهُ وَيُكَلِّمُونَهُ، فَمَا لَحَنَ فِي كَلِمَةٍ وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ أَحَدًا يَكُونُ فِي مِثْلِ شَجَاعَتِهِ وَشِدَّةِ قَلْبِهِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015