الخ) فيه بيان وجه التعبير عن الحسد لالبغي الذي هو في الأصل بمعنى الطلب، ويجوز أن يكون البغي بمعنى الظلم كدّا قاله المحقق لكنه قدم ما أخره الزمخشريّ ولكل وجه، وأورد عليه أنّ بغي بمعنى حسد مصدره البغي وبمعنى طلب مصدره البغاء بالضم، وبمعنى فجر مصدره البغاء بالكسر، فالمصنف والزمخشريّ لم يصيبا في الجمع بين البغاء والبغي هنا والمصنف رحمه الله زاد فقدّم الطلب على الحسد بحيث لم يبق احتمال لجعله تفسيراً له.
(أقول) كون البغي بمعنى الطلب مطلقاً أو تجاوز الحد في جميع معانيه مما أشار إليه
أهل اللغة كالراغب وغيره لكن أنواعه تختلف ففي طلب زوال النعم هو الحسد وفي طلب
التجاوز على الغير ظلم وفي طلب الزنا فجه- ر، وأشير باختلاف المصدر إلى اختلاف أنواعه ومثله كثير يعرفه من تتغ اللغة والذي غرّه في ذلك ظاهر كلام التيسير من غير إمعان للنظر فيه. قوله: (علة يكفروا دون اشثروا للفصل) رذ لما في الكشاف من جعله علة لاشتروا بأنه يلزم عليه الفصل بينه وبين المعلل بأجنبيّ وهو المخصوص بالذمّ لأنه مبتدأ وهو أجنبيّ من متعلقات الخبر كما صرّح به النحاة، وردّه صاحب الكشف بأن المعنى على ذمّ الكفر الذي أوثر على الإيمان بغيا لا على ذمّ الكفر المعلل بالبغي وأما الفصل فليس بأمر أجنبيّ، ورذ بأنّ المخصوص بالذمّ وإن لم يكن أجنبيا بالنسبة إلى فعل الذمّ وفاعله لكن لإخفاء في أنه أجنبيّ بالنسبة إلى الفعل الذي وصف به تمييز الفاعل، والقول بأنّ المعنى على ذم ما باعوا به أنفسهم حسداً وهو الكفر لا على ذم ما باعوا به أنفسهم وهو الكفر حسداً تحكم اهـ. وأما الجواب بأنّ المميز والمميز والصفة والموصوف كالشيء الواحد فلا فصل بأجنبيّ، وأنّ إيثار الكفر بغيا وعنادا أدخل في الذم من إيثار الكفر الناشئ من البغي إذ لا يتعين حينئذ كون الإيثار عنادا لاحتمال أن يكون لوجه يخف به استحقاق الذم فالفرق واضح، وحديث التحكم مضمحل لاحتماله أنّ كفرهم ليس حسدا بل لأمر آخر كاعتقاد أنّ دينهم لم ينسخ فمخالف للمعقول والمنقول لكن إنما يلزم الفصل بأجنبيّ إذا كان المخصوص مبتدأ بئسما خبره أما لو كان خبره مبتدأ محذوف والجملة معترضة على أحد الوجهين فيه فلا وأما القول بأنه علة لاشتروا مقدراً فكلام آ-ض لا يصلح للجواب كما توهم، ومنهم من أعرب بغيا حالاً ومفعولاً مطلقاً لفعل مقدّر، وأن ينزل جوّز فيه أن يكون مفعولاً من أجله للبغي وأن يكون على إسقاط الخافض المتعلق ببغيا أي على أن، وأشار المصمنف رحمه الله تعالى إلى تعلقه به بقوله حسدوه، ومن في من فضله للابتداء صفة لموعموف محذوف أي شيئا كائناً من فضله وهو الوحي. قوله: ( {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ} الخ) في الكشاف فصاروا أحقاء بغضب مترادف لأنهم كفروا بنبيّ الحق صلى الله عليه وسلم وبغوا عليه وقيل: كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم بعد عيسى عليه الصلاة والسلام، قيل: بعد قولهم عزير ابن الله وقيل: دلّ على الاستحقاق العطف بالفاء على اشتروا إلى ساقته، وفيه دلالة على تضاعف الجريمة على قوله بغيا فصح استحقاق ترادف الغضب ولهذا اختار الوجه الأوّل في جهة استحقاق ترادف الغضب وقوله بغضب حال أي رجعوا ملتبسين بغضب وعلى غضب له، وهذا بناء على تغاير الغضبين كما بينوه وقيل: هما واحد، وقيل: عليه أنه غفلة عن اعتبار الاستحقاق في مفهوم ياء لأنّ معناه صاروا أحقاء كما مر فدلالة الفاء على سببية الاشتراء للاستحقاق لا على الاستحقاق والفرق واضح وأيضا أنه يقتضي دخول باؤوا في صلة ما أوصفتة وفيه مع التمحل في المعنى عدم العائد إلى ما فالظاهر أنّ الفاء فصيحة والمعنى فإذا كفروا
حسدا على ما ذكر باؤوا أي صاروا أحقاء بغضب أو رجعوا ملتبسين بغضب كما سبق في تفسير {وَبَآؤُوا بِغَضَبٍ مِّنَ اللهِ} [سورة آل عمران، الآية: 112] فلا ينبغي أن يجزم بالحالية، وهذا كله على طرف التمام أمّا الأول فلأنّ باء معناه رجع لا أستحق والاستحقاق إنما فهم فيما مر من السياق وهنا من الفاء فالغفلة من المعترض، وأما الثاني فلأنّ المعقب بالفاء لا يحتاج إلى رابط فيهما بل يكفي في أحدهما كما ذكروه في الذي يطير الذباب فيغضب زيد ولا تمحل في المعنى لأنهم ذموا على ما استحقوا به الغضب المترادف، وقوله: للكفر والحسد بيان للغضبين المأخوذين مما قبله لترتبه على جميع ما مر ومن غفل عن هذا قال إنه ملائم لما اختاره من كون بغياً علة يكفروا دون