في المعوّذتين. قوله: (منشاة بأغطية خلقية) فهو جمع أغلف وسكونه على الأصل كأحمر وحمر وهو ذو الغلفة الذي لم يختن ويقال قلفة وقلفة أيضاً والمعنى أنّ قلوبنا لا يصل إليها ما تقول فتفهمه لأنها منعت منه لما خلقت عليه، وهذا كقوله: {وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ} [سورة فصلت، الآية: 55] أو أصله غلف بضم اللام جمع غلاف ككتاب وكتب فسكن للتخفيف، وقرئ على الأصل في الشواذ والمراد أنها أوعية العلم المملوءة به وحينئذ فلا تعي ما تقول لأنه ليس من المعلوم أو أنه منها ولكنها لا حاجة لها فيه إذ عندها ما يكفيها فالتفاسير ثلاثة، وقوله: بل لعنهم الله الخ ردّ له، وبينه المصنف رحمه الله على التفاسير الثلاثة واللعن الطرد عن رحمة الله ومعنى خذلان الله لهم بكفرهم أنه تعالى جعلهم كفاراً غير مستعدّين لقبول الحق وأنه بفعله تعالى واحداثه فيهم، وقد غير عبارة الزمخشريّ المبنية على مذهبه وبقية كلامه ظاهر. قوله: (فإيماناً قليلاَ الخ) وما مزيدة لتأكيد معنى القلة لا نافية لأنّ ما في حيزها لا يتقذمها ولأنه وان كان بمعنى لا يؤمنون قليلا فضلا عن الكثير لكن ربما يوهم لا سيما مع التقديم أنهم لا يؤمنون قليلا بل كثيراً وأمّا المصدرية فلا مجال لها وإنما لم يجعل قليلاً من صفة الأحيان كما في قليلاَ ما يشكرون لأنهم لم يؤمنوا قط نعم إذا كانت القلة بمعنى العدم فهو محتمل كذا قيل: وقد جوّز في قليلاً أن يكون حالاً أي يؤمنون حال كونهم جميعا قليلاً أي المؤمن منهم قليل، وقد
نقل عن ابن عباس وقتادة وجوّز كون ما نافية أيضاً بناء على جواز تقدم ما في حيزها عليها وهو مذهب الكوفيين وأمّا منع المصدرية على أنّ المصدر فاعل قليلاً أي قليلاً إيمانهم فلأنه لا ناصب لقليلا بخلافه في قوله تعالى: {كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} [سورة الذاريات، الآية: 17] ولو قدر كانوا لصح لكنه خلاف الظاهر وأمّا كونه منعه للزمان فجوّزه السمين وقال إنه صفة لزمان محذوف أي فزمانا قليلاً ما يؤمنون وهو كقوله: ولمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره} [سورة آل عمران، الآية: 72] وأما قوله أنه محتمل على تقدير أنّ القلة بمعنى العدم فركيك لأنه يصير المعنى يؤمنون زمانا معدوماً ولا محل له. قوله: (وقيل: أراد بالقلة العدم) ضعفه لأنه خلاف الظاهر وقال أبو حيان أن القلة بمعنى النفي وان صحت لكن في- غير هذا التركيب لأنّ قليلا انتصب بالفعل المثبت فصار نظير وقت قليلا أي قياما قليلاَ ولا يذهب ذاهب إلى أنك إذا أتيت بفعل مثبت وجعلت قليلا صفة لمصدره يكون المعنى في المثبت الواقع على صفة أو هيئة انتفاء ذلك المثبت رأساً وعدم وقوعه بالكلية وإنما الذي نقل النحويون أنه قد يراد بالقلة النفي المحض في قولهم أقل وجل يقول ذلك وقلما يقوم زيد فحملها على ذلك ليس بصحيح، وردّ بأنه قال به الواقديّ قبل الزمخشرفي فانه قال: أي لا قليلاً ولا كثيراً كما تقول قلما يفعل كذا أي ما يفعله أصلا (قلت) ما ذكره أبو حيان قويّ من حيث الدليل فإنه لا معنى لتأكيد الفعل بمصدر منفيّ ولا نظير له. قوله: (مصدق لما معهم من كتابهم الخ الم يجعل ما معهم مصذقا للكتاب وان كان يتبادر أنه أقوى لإلزامهم لأنّ القرآن معجز دال بإعجازه على أنه من عند الله فإذا طابق ما قبله دل على أنه صدق وعلى الحالية فذو الحال نكرة لكنها تخصصت بالوصف ولا يضرّ احتمال أنّ الظرف لغو متعلق بجاء ولو جعل حالاً من الضمير المستقز في الظرف لكان أقرب، وأمّا ما قيل: إن تقييد المجيء بالحال أنسب فلا وجه له وجعل جواب لما محذوفا وهو مختار الزجاج وتقديره كفروا أو كذبوا به واستهانوا بمجيئه وذهب الفرّاء أنّ لما الثانية مع جوابها جواب للأولى وضعف بأنّ الفاء لا تقع في جوا! لما ولو جوّز وقوعها زائدة فلما لا تجاب بمثلها لا يقال لما جاء زيد لما قعد أكرمتك وذهب المبرّد إلى أنّ كفروا جواب لما الأولى، والثانية مكررة لطول الكلام وقيل إن الفاء مانعة منه وفيه نظر وقيل أنه جواب لهما وأمّا جعل فلعنة الله جوابها وما بينهما اعتراض فبعيد. قوله: (يستفتحون على الذين كفروا أي يستنصرون الخ) أصل الفتح إزالة الإغلاق المحسوسة كفتح الباب ويستعمل في غيره بفتح المشكلات وفتح القضية لفصلها، ولذا قيل: فتاج بمعنى حاكم والفتح الظفر المزيل للموانع واقفالها عما ظفر به والاستفتاح طلب الفتح والنصر وأصله في المدن ونحوها ثم عمّ فيستفتحون بمعنى يستنصرون