الآيات العظام وهاتان قصتان كل واحدة منهما مستقلة بنوع من التقريع وان كانتا متصلتين متحدتين فالأولى لتقريعهم على الاستهزاء وترك المسارعة إلى الامتثال وما يتغ ذلك، والثانية للتقريع على قتل النفس المحرمة وما يتبعه من الآية العظيمة وإنما قدّمت قصة الأمر بذبح البقرة على ذكر القتيل لأنه لو عمل على عكسه لكانت قصة واحدة ولذهب الغرض! في تثنية التقريع وقد روعيت نكتة بعد ما استؤنفت الثانية استئناف قصة برأسها أن وصلت بالأولى دلالة على اتحادهما بضمير البقرة لا باسمها الصريح في قوله: اضربوه ببعضها حتى تبين أنهما قصتان فيما يرجع إلى التقريع وتثنيته بإخراج الثانية مخرج الاستئناف مع تأخيرها وأنها قصة واحدة بالضمير الراجع إلى البقرة وتحقيق مراده على هذا المنوال مما لا مرية فيه وان لم يهتد إليه كثير من الفحول حتى قيل: لولا الفك والتقديم لم يحصل الفرض فإن قتل النفس بغير نفس والاختصام فيها من قبيل ما سبق من الاعتداء في السبت فإنّ في كل منهما ارتكاب المنهيّ بخلاف الاستهزاء بأمر الله وروادفه، وما فعله المصنف رحمه الله أدق مما ذكره الزمخشريّ وبالقبول أحق، ويمكن أن يناقش فيما ذكره بمنع توقف تثنية التقريع على فك الترتيب فإنه يحصل بتكرير التذكير وموقع ما في القصة من الجنايات فتأمل. قوله: (وهو الاستهزاء بالأمر الخ الما سيأتي من قوله استخفافا به فلا يرد عليه أنّ المنقول عنهم في قوله أتتخذنا هزواً حمل الأمر على الاستهزاء لا الاستهزاء بالأمر وفرق بينهما. قوله: (وقصته الخ) في الكشاف كان في بني إسرائيل شيخ موسر فقتله بنو أخيه ليرثوه وطرحوه على باب مدينة ثم جاؤوا يطالبون بديته الخ. وقيل عليه الصواب بنو عمه كما في التفاسير وكما قال بعد ذلك قتلني فلان وفلان لابني عمه ومنهم من غير العبرة إلى فقتل ابنه بنو أخيه ليرثوه أي الشيخ ويدفعه ما في آخر القصة ولم يورّث قاتلي بعد ذلك لأنهم لم يقتلوا المورّث أي الشيخ فقيل: ضمير يرثوه للابن ويكون قتل الابن بعد موت الثيخ، ورد بأنه لا معنى لذكر الشيخ حينئذ إذ صارت القصة أنه كان رجل موسر فقتله بنو عمه ليرثه واعتذر له بأنّ الشيخ كان مشهوراً بينهم

بالغنى وهو يقتضي غنى ابنه الموجب للطمع وقيل: المعنى قتل ابن الشيخ بنو أخي الشيخ ليرثوا الشيخ إذا مات ويدفعه قضية لم يورث قاتل بعد ذلك وأنهم جاؤوا يطالبون بديته والمصنف رحمه الله قصد إصلاحه فغيره لما ذكر وقوله: بدمه ظاهر في أنه بعد موت الشيخ وفاء فقتل فصيحة أي فمات فقتل ابنه والمراد بالميراث ميراث الشيخ لعدم تصرّف ابنه يخيه وذكر الشيخ لبيان سيب قتل ابن عمهم فتأمل والبقرة الأنثى والذكر الثور من بقر الأرض شقها بالحراثة وقيل: عامّ للذكر والأنثى، واستدل بالآية على أنّ الذبح فيها أحسن من النحر بخلاف الإبل. قوله: (أتتخذنا هزؤا الخ) الاتخاذ كالتصيير والجعل يتعدّى إلى مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر وقرئ بالتاء خطابا لموسى عليه الصلاة والسلام وبالياء فالضمير لله أي أنخبرك أنّ رجلا قتل فتأمرنا بذبح بقرة إن لم يكن ذكر الإحياء بضربها أو أيمكن ذلك فأنت تستهزئ بنا ولما كان لإفراده وكونه اسم معنى لا يقع مفعولاً ثانيا لضمير الجمع بدون تأويل أشار إلى تأويله بقوله مكان هزؤ الخ فهو إمّا بتقدير مضاف أي مكان أو أهل أو بجعل الهزؤ بمعنى المهزوء به تسمية للمفعول به بالمصدر أو بجعل الذات نفس المعنى مبالغة نحو رجل عدل، ويرجع مكان هزؤ إلى المبالغة فيه بطريق الكناية وقوله: استبعاداً لما قاله واستخفافا به تعليل لقالوا أتتخذنا والاستبعاد والاستخفاف مأخوذان من الاستفهام أي أتسخر بنا فإنّ جوابك لا يطابق سؤالنا ولا يليق، ولا يخفى أنه يشعر بالاستخفاف فلا يتوهم أنه يأباه انقيادهم له فإنه بعد العلم بأنه جذ وعزيمة وقرئ بالضم على الأصل والتسكين للتخفيف وإبدال الهمزة المضموم ما قبلها واواً على القياس كما قرئ كفوا وكلها من السبعة. قوله: (لأنّ الهزؤ في مثل ذلك الخ) أي مقام التبليغ والإرشاد والجواب عما رفع إليه من القضية بخلاف مقام الاحتقار والتهكم مثل: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والهزؤ ليس هو المزح والفرق بينهما ظاهر فلا ينافي وقوعه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وتوله: جهل وسفه عطف تفسير لأنّ الجهل كما قال الراغب: له معان عدم العلم واعتقاد

طور بواسطة نورين ميديا © 2015