دسائس ومؤامرات:

الآن فلننتقل إلى الوجه الآخر من الصورة لنرى كيف يعرض أبو الفرج الأصفهاني من خلالها شخصية الرشيد، ومن أي الزوايا كان يستشرفها..

لقد صبَّ هذا المؤلف جل اهتمامه على الجانب اللاهي من بيئة الرشيد وغواة عصره، حتى ليخيل لقصار البصيرة أن المجون هو اللون الوحيد الذي تميزت به تلك الحقبة، على حين أن ما خلص إلينا من مؤلفات الثقات تشهد بأن المجون لا يعدو النسبة الضئيلة من النشاط الجاد الذي يميزها فيجعلها أزهى عصور الحضارة الإسلامية الحافلة بأيمة المذاهب وأقطاب الزهد، وأساطين العربية، وعمالقة الفكر العالمي، الذين أمدوا العالم كله بالأشعة التي بددت الظلمات وفجرت ينابيع المعرفة، وكانت وراء كل التطورات العلمية الحديثة..

على مقربة من أيام الأصفهاني تدفقت سيول القرامطة على منطقة الكوفة وأعملت فيها الدمار والموت، وكانت قمة الكارثة اختطافهم أطفال المسلمين إلى حيث يتحكمون في تنشئتهم، وما هو سوى يسير من الزمن حتى عاد هؤلاء يواجهون أهليهم تحت رايات الشيطان.. وهو نفسه المخطط الذي نفذته الشيوعية في أفغانستان مؤخرا بنقل الآلاف من أبنائها إلى محاضن الإلحاد العالمي، حتى إذا أيد الله بنصره أوليائه المجاهدين في سبيله ودخلوا كابول لإقامة الكيان المسلم الذي استشهد في سبيله ما يزيد على المليونين بين قتيل ومعوَّق، فوجئوا بتلك الآلاف المتخرجة في محاضن الإلحاد تخلف الكفرة المنهزمين في مقاومة المد الإسلامي، ليحولوا بين المجاهدين وبين الأهداف العليا التي حاربوا من أجلها أربع عشرة سنة..

وهكذا تتلاقى سوابق الكفرو لواحقه، وتتطور مناهجه حتى يكون منها ما لا سبيل إليه إلا بالقتل والتدمير، ويكون منها هذا التخريب الروحي الذي مهد له صاحب الأغاني وأضرابه من الذين وقفوا جهودهم على إشاعة الفساد في الكيان الإسلامي.. وبعد هذا يبقى لنا وللقارىء سؤال كبير لا ينبغي أن نغفله:

لقد كان أبو الفرج من أوسع الناس علما بأحوال عصره، ولابد أن يكون قد علم يقينا ما أجمع عليه مؤرخو تلك الأيام من أن مجالس الرشيد كانت تضم الصفوة من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015