ومنها عفته ونزاهته. ومنها الوقار، والصون عن الابتذال في معاشرة القوم، وعدم الإكثار من الهزل والسخف، والفحش، والخفة والطيش. ومنها النزاهة عن الطمع في جر نفع من كلامه؛ فإن في ذلك نفرةً عن اتعاظ الناس بقوله وظِنَّةً في صدق دعوته، وقد قال السروجي بعد أن قام خطيبا:
لَبِسْتُ الْخَمِيصَةَ أَبْغِي الْخَبِيصَهْ ... وَأَنْشَبْتُ شِصِّيَ فِي كُلِّ شِيصَهْ (?)
ولقد يجدر بنا إذ بلغنا هذا الموضع أن نختمه بذكر بعضِ عيوب يكثر عروضها للخطباء ليتنبه المطالعُ إلى تجنبها. واعلم أنها تنقسم إلى فطرِيٍّ، وإلى مكتَسَب.
فأما الفطريُّ فمنه ما يمكن تجنُّبُه بكثرة الممارسة، نحو الحبسة عند التكلُّم، فقد كان عمرو بن سعيد بن العاصي البليغ الخطيب في أول أمره لا يتكلم إلا اعترته حُبسةٌ في منطقه، فلم يزل يتشادق ويعالج إخراجَ الكلام حتى مال شدقُه من كثرة ذلك، ولُقب لذلك بالأشدق، فقال فيه الشاعر:
تَشَادَقَ حَتَّى مَالَ بِالْقَوْلِ شِدْقُهُ ... وَكُلُّ خَطِيبٍ لَا أَبَا لَكَ أَشْدَقُ (?)