ويعين على ذلك تنبُّهُه لما في كلام المجيب من مجاري الخلل، ومواضع النقد (?).
وأما شروطُ الخطيب في ذاته، فمنها جودةُ القريحة، وهي أمر غير مكتسب وقد قال موسى - عليه السلام -: {وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28)} [طه: 27، 28]. وسيأتي لذكر اكتسابها كلام في عيوب الخطباء، قال أبو هلال: "من الناس مَنْ إذا خلا بنفسه وأعمل فكرَه أتى بالبيان العجيب، [والكلام البديع المصيب] , واستخرج المعنى الرائق، وجاء باللفظ الرائع. وإذا حاور أو ناظر، قصَّر وتأخَّر، فحقُّ هذا أن لا يتعرض لارتجال الخطب"، ومنهم من هو بالعكس (?).
ومنها أن يكون رابطَ الجأش، أي غير مضطرِبٍ في فهمه ولا مندهش؛ لأن الحيرة والدَّهَشَ يصرفان الذهن عن المعاني، فتجيء الحُبسة، ويرتج على الخطيب.
ومنها أن يكون مرموقًا من السامعين بعين الإجلال لتُمْتَثَلَ أوامرُه، ويحصُل ذلك بأمورٍ كثيرة منها شرف المحتد قال الشاعر:
لَقَدْ ضَجَّتِ الأَرْضُونَ إِذْ قَامَ مِنْ بَنِي ... سَدُوسٍ خَطِيبٌ فَوْقَ أَعْوَادِ مِنْبَرِ (?)