ذلك التعليمَ الذي يتعرض له الخطيب، مثل الخطب الدينية التي يتعرض فيها لتعليم بعض الواجبات، فإنها لا تُتَلَقَّى بوصف قواعدَ علمية، ولكن بوصف تعليماتٍ عامة يستوي فيها الناسُ، أو بوصف التنبيهِ على تركها وإهمالها. وبهذا الاعتبار تصير غرضًا للمتكلِّم يحاول الإقناعَ بصحته (?).
ويخرج به ما يُقرأ على المنابر من عقود البَياعات السُّلطانية ونحوها، كالتقاليد، فلا تسمى خطبًا، وإنما القصدُ من ذلك إشهارُها وإعلانها.
وقولنا: "لفعله والانفعال به"، إشارةٌ إلى غاية الخطيب من الخطابة، وهي إما فعلُ المخاطبين شيئًا يريده، أو اعتقادهم شيئًا يعلِّمُهم إياه، وقد انطبق التعريفُ على المعرَّف.
إن الخطابةَ ركنٌ عظيم من آداب الاجتماع البشري، فبها يحصل تهذيبُ الجمهور وحملُهم على ما فيه صلاحُهم، وتسكينُ جأشهم عند الرَّوْع، وبثُّ حماسهم عند اللقاء. وبها تحصلُ محاجةُ المموِّهين عليهم والمعنتِّين لهم؛ إذ الجمهور إنما يتألف من أفراد لا تبلغ عقولهُم بسرعةٍ إلى إدراك البراهين النظرية، ولا تهتدي من تلقاء نفسها إلى الغاياتِ الحقيقية، فناسَبَ أن يُعْدَلَ عند خطابهم إلى الأمور الإقناعية، وهي المشهوراتُ الموَصِّلةُ إلى ما يوصِّل إليه البرهانُ ولو خالفته في الطريق.
وقد يخاطب الخطيبُ قومًا من الخاصة، إلا أن المقام يكون نابيًا عن سلوك طريقة البرهان، إما لقصر الوقت واحتياج البرهان إلى طول (?)، وإما لأن في البرهان