ذلك فهو الذي يُذَمُّ من السجع لما فيه من التكلُّف. وأما إذا كان محمولًا على الطَّبْع غير متكلَّف، فإنه يجيء في غاية الحسن". (?)
وأحسنُه ما تساوت فواصلُه أو تقاربت في طول لا يقطع النَّفَسَ، ولا يقصر عن أربعِ كلماتٍ أو يقاربها، كثلاثٍ طوال، ويُغتفر أن تكونَ الفاصلةُ الثانية أطولَ من الأولى. والقبيحُ ما طالت فاصلتُه الأولى، وقصُرت الثانية. والمتوسِّطُ ما تقاصرت فواصلُه جدًّا، وإن كان محتاجًا إلى قوَّةٍ في اللغة. وقد أكثر منه بديعُ الزمان الهمذاني (?). وإذا لم يلتزم الكاتبُ السجع، وكان كلامه ترسلًا، حسن أن يأتي في أثنائه بهاته الكيفيات كلها بلا قيد.
وأقسامُه وتفاريعُها كثيرة تكفَّلت ببيانها كتبُ البديع، وهو يدلُّ على مقدرة الكاتب إذا جاء في غاية الحسن غيرَ متكلَّف؛ لأنه يُؤْذِنُ بسَعَةِ صاحبه في استحضار ما يريد من المفردات اللغوية، وبجودة قريحته في تطبيق المعاني على الأسجاع. ولكنه لا يحسن إلا في مواقعه من الرسائل، والديباجات، والأشياء المقروءة، والأمثال والحكم التي يُراد تناقلُها وتعلُّقُها بالأذهان. ولذلك يحسن في بعض الجمل من الخطب، وهو ما كان موضعَ حكمةٍ أو موعظة. وليس قولُ الشيخ عبد القاهر في مقدمة أسرار البلاغة: "والخطب من شأنها أن يُعتمد فيها الأوزان والأسجاع، فإنها تُروَى وتُتَناقلُ تناقلَ الأشعار" (?)، إلا ناظرًا لذلك كما يلوِّح إليه تعليلُه، وإلا فهو لا يجهلُ أن جُلَّ الخطب النبوية وخطب السلف والعرب كانت غيرَ مشتملة على الأسجاع إلا قليلًا.