بليغا. وقد جادل عتبةُ بن ربيعة (?) قريشًا حين أجمعوا على أن يعتذروا لوفود العرب عام ظهور دعوة النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى الله بالقرآن بأن يقولوا: هو شعر أو كهانة أو سحر، فقال لهم: "والله ما هو بزَمْزَمَةِ الكاهن، ولقد عرفت الشعرَ ورجزَه وقصيدَه فما هو بشيءٍ من ذلك، وما هو بكلام بشر" (?)، ففرق بين آيات القرآن وغيره باختلاف الأسلوب.

ومن الغلط أن يقتصرَ متعلِّمُ الإنشاء على أسلوبِ واحدٍ يعكف عليه، مثل أن يقتصر على أسلوب "مقامات الحريري" أو "رسائل ابنَ الخطيب" (?) أو غيرها، فلا يرتسم في ذهنه إلا ذلك، حتى إذا أراد أن ينشئ لم يستطع أن يعدوَ ذلك الأسلوب مع أنه لا يحسن في جميع مواقع الإنشاء. كما أنه لا يحسُن أن يقتصر على نوعٍ من أنواع الإنشاء الأدبي كالرسائل فقط، فإن للإنشاء أنواعًا كثيرة.

فمن أنواعه المراسلةُ، والخطابةُ، والمحادثةُ، والتصنيفُ، والمقاماتُ، والوصف. وكلُّها فنونٌ كثيرة، ويجيء الإنشاءُ فيها نظمًا ونثرًا، ولكلٍّ منها لهجةٌ وأسلوبٌ يخالف ما لغيره. فلا بدَّ من ممارسةِ طُرُق البُلغاء في هاته الأنواع وفنونها، ليحصلَ للممارس ذوقٌ وملكةٌ يستطيع بهما أن يعرف ما يجب في كلَّ مقامٍ من هاته المقامات بحسب العصور والعوائد (?). فليس ما يحسن للشاعر أو الخطيب يحسن للمؤرِّخ، فلو أن

طور بواسطة نورين ميديا © 2015