87 - (خ م د س) عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما - قال: «أُخْبِرَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: أنِّي أقُولُ: والله لأصُومَنَّ النَّهارَ، ولأقُومَنَّ اللَّيلَ ما عِشْتُ، فقالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أنت الَّذي تَقُولُ ذلك؟» فقلت له: قد قلتُه، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، قال: «فإنك لا تَسْتطيعُ ذلك، فَصُمْ -[298]- وأفْطِرْ، ونَمْ، وقُمْ، وصُمْ من الشَّهرِ ثلاثَةَ أيَّامٍ، فإنَّ الحَسَنَةَ بعشْرِ أمثالها، وذلك مِثْلُ صيام الدَّهر» ، قُلتُ: إنِّي أطِيقُ أفْضَلَ من ذلك، قال: «فصُمْ يومًا وأفطِرْ يومَينِ» ، قلت: فإنِّي أطيقُ أفضلَ من ذلك، قال: «فصُم يومًا وأفطِر يومًا، فذلك صيام دَاودَ عليه السلام، وهو أعدلُ الصيام» - وفي رواية: أفضَلُ الصيام - قُلتُ: فإني أطيقُ أفضلَ من ذلك، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا أفْضَلَ من ذلك» .
زاد في رواية، قال عبد الله بن عمرو، لأنْ أكونَ قبلتُ الثَّلاثة الأيام التي قالَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، أحبُّ إليَّ من أهلي ومالي» . وفي رواية أخرى: قال: قال لي رسول الله: «ألَمْ أخْبَرْ أنك تَصومُ النهار، وتقوم الليل؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: «فلا تَفْعَلْ، صُمْ وأفطِرْ، ونَم وقُم، فإنَّ لِجسدِك عليك حقًّا، وإنَّ لِعَينِكَ عليك حقًّا، وإنَّ لزوجِك عليك حقًّا، وإنَّ لزوْرِك (?) عليك حقًّا، وإنَّ بحَسْبِك أن تصُومَ من كل شهر ثلاثة أيام، فإنَّ لك بكُلِّ حسَنَةٍ عشرَ أمثالها، فإذًا ذلك (?) صيامُ الدَّهر» . فَشَدَّدْتُ فَشُدِّدَ عَلَيَّ، قلتُ: يا رسول الله: إنِّي أجدُ قُوَّةً، قال: «صُمْ صيامَ نبي الله داود عليه السلام، لا تَزِدْ عليه» . قلت: وما كان -[299]- صيام داود؟ قال: «نصف الدهر» . فكان عبدُ الله يقول بعدَ ما كَبِرَ: يا لَيْتَني قَبِلْتُ رُخصَةَ النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وفي أخرى قال: «ألم أخبَر أنَّك تَصوم الدَّهر، وتَقْرَأ القرآن كلَّ ليلة؟» فقلتُ: بلى، يا نَبيَّ الله، ولم أُرِد بذلك إلا الخير، وفيه قال: «فصُم صومَ داودَ، فإنه كان أعبد النَّاس» - وفيه قال -: «واقرأ القرآن في كل شهر» ، قال: قلتُ: يا نبيَّ الله، إني أطيقُ أفضلَ من ذلك، قال: «فاقرأهُ في كلِّ عشرين» ، قال: فقلتُ: يا نبيَّ الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأهُ في عشر» ، قلت: يا نبيَّ الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في سَبعٍ، لا تزد على ذلك» . قال: فَشَدَّدْتُ فَشُدِّد عليَّ، وقال لي النبي - صلى الله عليه وسلم -: إنك لا تدري لَعلَّكَ يَطولُ بك عُمُرٌ» ، قال: فصِرتُ إلى الذي قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما كبِرْتُ وَدِدتُ أني كنتُ قَبِلْتُ رُخصة نبيّ الله - صلى الله عليه وسلم -. زاد مسلم «فإنَّ لِوُلْدِك عليك حقًّا» .
وفي أخرى: قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنكَ لَتَصومُ النَّهار، وتقومُ الليل؟» قلت: نعم، قال: «إذا فعلتَ ذلك هَجَمَتْ لَهُ العَيْنُ، ونَفِهَت له النَّفسُ، لا صامَ من صامَ الأبد، صومُ ثلاثة أيامٍ صومُ الدَّهر كلِّه» . قلت: فإن أطيق أكثر من ذلك، قال: «فصم صوم داود، كان يصوم يومًا ويُفْطِرُ يومًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقى (?) » . -[300]-
وزاد في رواية: «مِن لي (?) بهذه يا نبي الله» . وفي رواية نحوه، وفيه «وصُم من كل عشرةِ أيَّام يومًا، ولك أجر تسعة» - وفي - فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا صامَ من صامَ الأبدَ» ثلاثًا. هذه روايات البخاري ومسلم. ووافقهما أبو داود على الرواية الأولى. والنسائي على الأولى والثانية، وألفاظُهُم جميعُهم متقاربة باتفاق المعنى. وأخرج البخاري والنسائي عنه.
قال البخاري: قال عبد الله بن عَمْرو: أنكَحَني أبي امرأةً ذات حَسبٍ، وكان يتعاهدُ كَنَّتَهُ، فيسألها عن بَعْلِها، فتقول له: نِعْمَ الرَّجُلُ من رجلٍ لم يطأ لنا فراشًا، ولم يُفَتِّش لنا كَنَفًا مُذْ أتَيْناهُ، فَلَمَّا طال ذلك عليه، ذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «ألقني به» فلقيتُهُ بَعدُ، فقال: «كيف تصوم؟» قلت: كلَّ يومٍ. قال: «وكيف تَخْتِمُ؟» قلت: كلَّ ليلة، فقال: «صُم كلَّ شهرٍ ثلاثة أيَّامٍ، واقرأ القرآن في كل شهر» . قال: قلت: فإني أطيق أكثَر من ذلك، قال: «صُم ثلاثة أيام في الجمعة» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «أفطر يومين وصم يومًا» . قال: قلت: أطيق أكثر من ذلك، قال: «صم أفضل الصوم، صوم داود: صيام يوم. وإفطار يوم. واقرأ في كل سَبْعِ ليال مَرَّةً» قال: فَلَيْتَني قَبِلتُ رُخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وذلك -[301]- أنِّي كَبِرْتُ وضَعُفْتُ، وكان يقرأ على بعض أهله السُّبُع من القرآن بالنَّهار، والَّذي يقرؤه يَعرضُهُ منَ الليل، ليكون أخفَّ عليه بالليل، وإذا أراد أن يَتَقَوَّى أفطر أيَّامًا، وأحصَى وصام مثلَهُنَّ، كراهِيةَ أن يَتْرَكَ شيئًا فارق عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
ورواية النسائي قال: زَوَّجني أبي امرأة، فجاء يزورنا، فقال: كيف تَرَيْنَ بَعْلَكِ؟ قالت: نعم الرجلُ، لا ينام الليل، ولا يُفْطِرُ النَّهارَ، فوقع بي وقال: زوَّجْتُك امرأةً من المسلمين، فعَضَلْتَها، قال: فجعلتُ لا ألتفِت إلى قوله، مما عند من القُوَّةِ والاجتهاد، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: «لكني أنا أقوم وأنامُ، وأصومُ وأفطِرُ، فَقُمْ ونَم، وصُم وأفطر» - وذكر الصوم نحو ما تَقدَّم، وقال: «اقرأ القرآن في شهر» ، ثم انتهى إلى خمس عشرة، وأنا أقول: أنا أقوى من ذلك.
وأخرجه مثل رواية البخاري، ولم يذكر فيه القراءة.
وأخرج الترمذي طرفًا من هذه الروايات، وهو قوله: «أفْضَلُ الصَّوم صَوْمُ أخي داود، كان يصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، ولا يَفِرُّ إذا لاقى» . ولِقلَّةِ ما أخرَجَ منه لم نُعْلِمْ عليه علاَمته (?) . -[302]- وسيجيء ذِكْرُهُ مع باقي روايات هذا الحديث في كتاب الصَّوم من حرف الصاد.
وقد أخرج البخاري ومسلمٌ وأبو داود والنسائي هذا الحديث مختصرًا جامعًا، فقال: إنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ أحبَّ الصيام إلى الله: صيامُ داودَ، وأحبَّ الصلاة إلى الله: صلاةُ داود، كان ينامُ نِصْفَ الليل، ويقومُ ثُلُثَهُ، وينَامُ سُدُسَهُ، وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا (?) » .
Sبحسبك (?) : أحسَبه هذا الأمر يُحسِبه: إذا كفاه.
هجمت: العين: إذا غارت ودخلت في نُقرتها من الضعف والمرض.
نَفِهَت النفس: إذا أعيت وكلَّت.
ذات حسب: الحسب: ما يعدُّه الرجل من مفاخر آبائه، ويقال: -[303]- حَسَبُهُ: دينه، ويقال: ماله، وقيل: الحسب يكون في الرجل وإن لم يكن له آباء لهم شرف.
كَنّته: الكنة: امرأة الابن أو الأخ.
بعلها: بعل المرأة: زوجها.
كَنفًا: لم يفتش لنا كنفًا، الكنف: الجانب، أرادت: أنه لم يقربها، ولم يستعلم لها حالاً خَفيَت عنه.
فوقع بي: وقع بي فلان: إذا لامك وعَنَّفَك، وأما وَقعت فيه، فهو من الوقيعة، وهي الغيبة.
فعضلتها: العضل: المنع، والمراد: أنك لم تعاملها معاملة الأزواج لنسائهم، ولا تركتها بنفسها لتتزوج، وتتصرف في نفسها كما تريد.