القول في تأويل قوله تعالى: وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما يقول تعالى ذكره: استسرت وجوه الخلق، واستسلمت للحي القيوم الذي لا يموت، القيوم على خلقه بتدبيره إياهم، وتصريفهم لما شاءوا. وأصل العنو الذل، يقال منه: عنا وجهه لربه يعنو عنوا،

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} [طه: 111] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: اسْتَسَرَّتْ وُجُوهُ الْخَلْقِ، وَاسْتَسْلَمَتْ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا -[172]- يَمُوتُ، الْقَيُّومُ عَلَى خَلْقِهِ بِتَدْبِيرِهِ إِيَّاهُمْ، وَتَصْرِيفِهِمْ لِمَا شَاءُوا. وَأَصْلُ الْعُنُوِّ الذُّلُّ، يُقَالُ مِنْهُ: عَنَا وَجْهُهُ لِرَبِّهِ يَعْنُو عُنُوًّا، يَعْنِي خَضَعَ لَهُ وَذَلَّ، وَكَذَلِكَ قِيلَ لِلْأَسِيرِ: عانَ لِذِلَّةِ الْأَسْرِ. فَأَمَّا قَوْلُهُمْ: أَخَذْتُ الشَّيْءَ عَنْوَةً، فَإِنَّهُ يَكُونُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ يَئُولُ إِلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ غَلَبَةً، وَيَكُونُ أَخَذَهُ عَنْ تَسْلِيمٍ وَطَاعَةٍ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

هَلَ انْتَ مُطِيعِي أَيُّهَا الْقَلْبُ عَنْوَةً ... وَلَمْ تَلْحَ نَفْسٌ لَمْ تُلِمْ فِي اخْتِيَالِهَا

وَقَالَ آخَرُ:

[البحر الطويل]

فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَةً عَنْ مَوَدَّةٍ ... وَلَكِنْ بِحَدِّ الْمَشْرَفِيِّ اسْتَقَالَهَا

وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015