القول في تأويل قوله تعالى: وما بكم من نعمة فمن الله، ثم إذا مسكم الضر فإليه تجأرون اختلف أهل العربية في وجه دخول الفاء في قوله: فمن الله فقال بعض البصريين: دخلت الفاء، لأن " ما " بمنزلة " من " فجعل الخبر بالفاء وقال بعض الكوفيين: " ما " في معنى

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ} [النحل: 53] اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ دُخُولِ الْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: {فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79] فَقَالَ بَعْضُ الْبَصْرِيِّينَ: دَخَلَتِ الْفَاءُ، لِأَنَّ «مَا» بِمَنْزِلَةِ «مِنْ» فَجَعَلَ الْخَبَرَ بِالْفَاءِ وَقَالَ بَعْضُ الْكُوفِيِّينَ: «مَا» فِي مَعْنَى جَزَاءٍ، وَلَهَا فِعْلٌ مُضْمَرٌ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: مَا يَكُنْ بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ، لِأَنَّ الْجَزَاءَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فِعْلٍ مَجْزُومٍ، إِنْ ظَهَرَ فَهُوَ جَزْمٌ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ فَهُوَ مُضْمَرٌ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

إِنِ الْعَقْلُ فِي أَمْوَالِنَا لَا نَضِقْ بِهِ ... ذِرَاعًا وَإِنْ صَبْرًا فَنَعْرِفُ لِلصَّبْرِ

وَقَالَ: أَرَادَ: إِنْ يَكُنِ الْعَقْلُ فَأَضْمَرَهُ، قَالَ: وَإِنْ جُعِلَتْ «مَا بِكُمْ» فِي مَعْنَى «الَّذِي» جَازَ، وَجُعِلَتْ صِلَتُهُ «بِكُمْ» وَ «مَا» فِي مَوْضِعِ رَفْعٍ بِقَوْلِهِ: {فَمِنَ اللَّهِ} [النساء: 79] ، وَأَدْخَلَ الْفَاءَ كَمَا قَالَ: {إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8] وَكُلُّ اسْمِ وَصْلٍ مِثْلَ «مِنْ» وَ «مَا» وَ «الَّذِي» ، فَقَدْ يَجُوزُ دُخُولُ الْفَاءِ فِي خَبَرِهِ لِأَنَّهُ مُضَارِعٌ لِلْجَزَاءِ وَالْجَزَاءُ قَدْ يُجَابُ بِالْفَاءِ، وَلَا يَجُوزُ أَخُوكَ فَهُوَ قَائِمٌ، لِأَنَّهُ اسْمٌ غَيْرُ مَوْصُولٍ، وَكَذَلِكَ تَقُولُ: مَالُكَ لِي، فَإِنْ قُلْتَ: مَالُكَ، جَازَ أَنْ تَقُولَ: مَالُكَ فَهُوَ لِي، وَإِنْ أُلْقِيَتِ الْفَاءُ فَصَوَابٌ.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015