القول في تأويل قوله تعالى: ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يقول تعالى ذكره: ولله يخضع ويستسلم لأمره ما في السماوات وما في الأرض من دابة يدب عليها، والملائكة التي في السماوات، وهم لا يستكبرون عن التذلل له بالطاعة

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ} يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَلِلَّهِ يَخْضَعُ وَيَسْتَسْلِمُ لَأَمْرِهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ يَدِبُّ عَلَيْهَا، وَالْمَلَائِكَةُ الَّتِي فِي السَّمَاوَاتِ، وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ التَّذَلُّلِ لَهُ بِالطَّاعَةِ {فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ} [النحل: 22] وَظِلَالُهُمْ تَتَفَيَّأُ عَنِ الْيَمِينِ، وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا للَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ يَقُولُ: اجْتُزِئَ بِذِكْرِ الْوَاحِدِ مِنَ الدَّوَابِّ عَنْ ذِكْرِ الْجَمِيعِ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَامِ: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنَ الدَّوَابِّ وَالْمَلَائِكَةِ، كَمَا يُقَالُ: مَا أَتَانِي مِنْ رَجُلٍ، بِمَعْنَى: مَا أَتَانِي مِنَ الرِّجَالِ. وَكَانَ بَعْضُ نَحْوِيِّيِ الْكُوفَةِ يَقُولُ: إِنَّمَا قِيلَ: مِنْ دَابَّةٍ؛ لِأَنَّ «مَا» وَإِنْ كَانَتْ قَدْ تَكُونُ عَلَى مَذْهَبِ الَّذِي، فَإِنَّهَا غَيْرُ مُؤَقَّتَةٍ، فَإِذَا أُبْهِمَتْ غَيْرَ مُؤَقَّتَةٍ أَشْبَهَتِ الْجَزَاءَ، وَالْجَزَاءُ يُدْخِلُ مِنْ فِيمَا جَاءَ مِنَ اسْمٍ بَعْدَهُ مِنَ النَّكِرَةِ، فَيُقَالُ: مَنْ ضَرَبَهُ مِنْ رَجُلٍ فَاضْرِبُوهُ، وَلَا تَسْقُطُ «مِنْ» مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ كَرَاهِيَةَ أَنْ تُشْبِهَ أَنْ تَكُونَ حَالًا لِـ «مَنْ» وَ «مَا» ، فَجَعَلُوهُ بِمِنْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِمَا وَمَنْ؛ لِأَنَّهُمَا غَيْرُ مُؤَقَّتَتَيْنِ، فَكَانَ دُخُولُ مِنْ فِيمَا بَعْدَهُمَا تَفْسِيرًا لِمَعْنَاهُمَا، وَكَانَ دُخُولُ مِنْ أَدَلُّ عَلَى مَا لَمْ يُوَقَّتْ مِنْ «مَنْ وَمَا» ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُلْغَيَا

طور بواسطة نورين ميديا © 2015