القول في تأويل قوله تعالى: وقولوا للناس حسنا إن قال قائل: كيف قيل: وقولوا للناس حسنا فأخرج الكلام أمرا ولما يتقدمه أمر، بل الكلام جار من أول الآية مجرى الخبر؟ قيل: إن الكلام وإن كان قد جرى في أول الآية مجرى الخبر فإنه مما يحسن في موضعه الخطاب

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] إِنْ قَالَ قَائِلٌ: كَيْفَ قِيلَ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] فَأَخْرَجَ الْكَلَامَ أَمْرًا وَلَمَّا يَتَقَدَّمْهُ أَمْرٌ، بَلِ الْكَلَامُ جَارٍ مِنْ أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ؟ قِيلَ: إِنَّ الْكَلَامَ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَرَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ مَجْرَى الْخَبَرِ فَإِنَّهُ مِمَّا يَحْسُنُ فِي مَوْضِعِهِ الْخِطَابُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَلَوْ كَانَ مَكَانَ: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة: 83] لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، عَلَى وَجْهِ النَّهْيِ مِنَ اللَّهِ لَهُمْ عَنْ عِبَادَةِ غَيْرِهِ كَانَ حَسَنًا صَوَابًا؛ وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ فِي قِرَاءَةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ. وَإِنَّمَا حَسُنَ ذَلِكَ وَجَازَ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا بِهِ لِأَنَّ أَخْذَ الْمِيثَاقِ قَوْلٌ، فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ لَوْ كَانَ مَقْرُوءًا كَذَلِكَ: وَإِذْ قُلْنَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ، كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ} [البقرة: 63] فَلَمَّا كَانَ حَسَنًا وَضْعُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِي مَوْضِعِ: {لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} [البقرة: 83] عَطَفَ بِقَوْلِهِ: {وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا} [البقرة: 83] عَلَى مَوْضِعِ {لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: 83] وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَعْنَاهُ مَعْنَى مَا فِيهِ، لِمَا وَصَفْنَا مِنْ جَوَازِ وَضْعِ الْخِطَابِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ مَوْضِعَ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015