حَدَّثَنَا ابْنُ وَكِيعٍ، قَالَ: ثنا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ عَوْفٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «إِنَّ السَّبْعِينَ الَّذِينَ اخْتَارَهُمْ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ، إِنَّمَا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ؛ إِنَّهُمْ لَمْ يَرْضَوْا وَلَمْ يَنْهَوْا عَنِ الْعِجْلِ» -[473]- حَدَّثَنَا ابْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: ثنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، قَالَ: ثنا عَوْفٌ، قَالَ: ثنا سَعِيدُ بْنُ حَيَّانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ. وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي وَجْهِ نَصْبِ قَوْلِهِ: {قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا} [الأعراف: 155] فَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: مَعْنَاهُ: وَاخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ سَبْعِينَ رَجُلًا، فَلَمَّا نَزَعَ مِنْ أَعْمَلَ الْفِعْلَ، كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَقُ:

[البحر الطويل]

وَمِنَّا الَّذِي اخْتِيرَ الرِّجَالَ سَمَاحَةً ... وَجُودًا إِذَا هَبَّ الرِّيَاحُ الزَّعَازِعُ

وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:

[البحر البسيط]

أَمَرْتُكَ الْخَيْرَ فَافْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ ... فَقَدْ تَرَكْتُكَ ذَا مَالٍ وَذَا نَشَبٍ

وَقَالَ الرَّاعِي:

[البحر البسيط]

اخْتَرْتُكَ النَّاسَ إِذْ غَثَّتْ خَلَائِقُهُمْ ... وَاعْتَلَّ مَنْ كَانَ يُرْجَى عِنْدَهُ السُّولُ

وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: إِنَّمَا اسْتُجِيزَ وُقُوعُ الْفِعْلِ عَلَيْهِمْ إِذَا طُرِحَتْ مِنْ؛ لِأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِكَ: هَؤُلَاءِ خَيْرُ الْقَوْمِ، وَخَيْرٌ مِنَ الْقَوْمِ، -[474]- فَإِذَا جَازَتِ الْإِضَافَةُ مَكَانَ «مِنْ» وَلَمْ يَتَغَيَّرِ الْمَعْنَى، اسْتَجَازُوا أَنْ يَقُولُوا: اخْتَرْتُكُمْ رَجُلًا، وَاخْتَرْتُ مِنْكُمْ رَجُلًا وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ:

[البحر الطويل]

فَقُلْتُ لَهُ اخْتَرْهَا قَلُوصًا سَمِينَةً

وَقَالَ الرَّاجِزُ:

[البحر الرجز]

تَحْتَ الَّتِي اخْتَارَ لَهُ اللَّهُ الشَّجَرَ

بِمَعْنَى: اخْتَارَهَا لَهُ اللَّهُ مِنَ الشَّجَرِ. وَهَذَا الْقَوْلُ الثَّانِي أَوْلَى عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ؛ لِدَلَالَةِ الِاخْتِيَارِ عَلَى طَلَبِ «مِنْ» الَّتِي بِمَعْنَى التَّبْعِيضِ، وَمِنْ شَأْنِ الْعَرَبِ أَنْ تَحْذِفَ الشَّيْءَ مِنْ حَشْوِ الْكَلَامِ إِذَا عُرِفَ مَوْضِعُهُ، وَكَانَ فِيمَا أَظْهَرَتْ دَلَالَةٌ عَلَى مَا حَذَفَتْ، فَهَذَا مِنْ ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّجْفَةِ فِيمَا مَضَى بِشَوَاهِدِهَا، وَأَنَّهَا مَا رَجَفَ بِالْقَوْمِ وَأَرْعَبَهُمْ وَحَرَّكَهُمْ وَأَهْلَكَهُمْ بَعْدُ، فَأَمَاتَهُمْ أَوْ أَصْعَقَهُمْ، فَسَلَبَ أَفْهَامَهُمْ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّهَا كَانَتْ صَاعِقَةً أَمَاتَتْهُمْ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015