القول في تأويل قوله تعالى: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله

الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [المائدة: 64] وَهَذَا خَبَرٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْ جَرَاءَةِ الْيَهُودِ عَلَى رَبِّهِمْ وَوَصْفِهِمْ إِيَّاهُ بِمَا لَيْسَ مِنْ صِفَتِهِ , تَوْبِيخًا لَهُمْ بِذَلِكَ وَتَعْرِيفًا مِنْهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدِيمَ جَهْلِهِمْ وَاغْتِرَارَهُمْ بِهِ وَإِنْكَارَهُمْ جَمِيعَ جَمِيلِ أَيَادِيهِ عِنْدَهُمْ وَكَثْرَةَ صَفْحِهِ عَنْهُمْ وَعَفْوِهِ عَنْ عَظِيمِ إِجْرَامِهِمْ , وَاحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ لَهُ نَبِيُّ مَبْعُوثٌ وَرَسُولٌ مُرْسَلٌ أَنْ كَانَتْ هَذِهِ الْأَنْبَاءُ الَّتِي أَنْبَأَهُمْ بِهَا كَانَتْ مِنْ خَفِيِّ عُلُومِهِمْ وَمَكْنُونِهَا الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا أَحْبَارُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنَ الْيَهُودِ فَضْلًا فَأَطْلَعَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُقَرِّرَ عِنْدَهُمْ صِدْقَهُ وَيَقْطَعَ بِذَلِكَ حُجَّتَهُمْ. يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ} [البقرة: 113] مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ {يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] يَعْنُونَ: أَنَّ خَيْرَ اللَّهِ مُمْسَكٌ , وَعَطَاءُهُ مَحْبُوسٌ عَنِ الِاتِّسَاعِ عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْرُهُ فِي تَأْدِيبِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةٌ إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ} [الإسراء: 29] وَإِنَّمَا وَصَفَ تَعَالَى ذِكْرُهُ الْيَدَ بِذَلِكَ , وَالْمَعْنَى: الْعَطَاءُ , لِأَنَّ عَطَاءَ النَّاسِ وَبَذْلَ مَعْرُوفِهِمُ الْغَالِبَ بِأَيْدِيهِمْ , فَجَرَى اسْتِعْمَالُ النَّاسِ فِي وَصْفِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا إِذَا وَصَفُوهُ بِجُودٍ وَكَرَمٍ أَوْ بِبُخْلٍ وَشُحٍّ وَضِيقٍ , بِإِضَافَةِ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِنْ صِفَةِ

طور بواسطة نورين ميديا © 2015