ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: ثنا هُشَيْمٌ، قَالَ: ثنا سَيَّارٌ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4] قَالَ: " كَانَ الرَّجُلُ إِذَا زَوَّجَ ابْنَتَهُ عَمَدَ إِلَى صَدَاقِهَا فَأَخَذَهُ، قَالَ: فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي الْأَوْلِيَاءِ ": {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ، التَّأْوِيلُ الَّذِي قُلْنَا وَأَنَّ الْآيَةَ مُخَاطَبٌ بِهَا الْأَزْوَاجُ؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْآيَةِ مُبْتَدَأٌ بِذِكْرِهِمْ، وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4] فِي سِيَاقِهِ. وَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَكَيْفَ قِيلَ: فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا، وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: فَإِنْ طَابَتْ لَكُمْ أَنْفُسُهُنَّ بِشَيْءٍ؟ وَكَيْفَ وَحُدَّتَ النَّفْسَ وَالْمَعْنَى لِلْجَمِيعِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ قَالَ: {وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} [النساء: 4] قِيلَ: أَمَّا نَقْلُ فِعْلِ النُّفُوسِ إِلَى أَصْحَابِ النُّفُوسِ، فَإِنَّ ذَلِكَ الْمُسْتَفِيضُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ كَلَامَهَا الْمَعْرُوفِ: ضِقْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ ذِرَاعًا وَذَرْعًا، وَقَرَرْتُ بِهَذَا الْأَمْرِ عَيْنًا، وَالْمَعْنَى: ضَاقَ بِهِ ذَرْعِي، وَقَرَّتْ بِهِ عَيْنِي، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الوافر]
-[386]- إِذَا التَّيَّازُ ذُو الْعَضَلَاتِ قُلْنَا ... إِلَيْكَ إِلَيْكَ ضَاقَ بِهَا ذِرَاعَا
فَنَقَلَ صِفَةَ الذِّرَاعِ إِلَى رَبِّ الذِّرَاعِ، ثُمَّ أَخْرَجَ الذِّرَاعَ مُفَسِّرَةً لِمَوْقِعِ الْفِعْلِ، وَكَذَلِكَ وَحَّدَ النَّفْسَ فِي قَوْلِهِ: {فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا} [النساء: 4] إِذْ كَانَتِ النَّفْسُ مُفَسِّرِةً لِمَوْقِعِ الْخَبَرِ وَأَمَّا تَوْحِيدُ النَّفْسِ مِنَ النُّفُوسِ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْهَوَى، وَالْهَوَى يَكُونُ جَمَاعَةً، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الطويل]
بِهَا جِيَفُ الْحَسْرَى فَأَمَّا عِظَامُهَا ... فَبِيضٌ وَأَمَّا جِلْدُهَا فَصَلِيبُ
وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
[البحر الرجز]
فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شُجِينَا
وَقَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْكُوفَةِ: جَائِزٌ فِي النَّفْسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْجَمْعُ وَالتَّوْحِيدُ؛ فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا وَأَنْفُسًا، وَضِقْتُ بِهِ ذِرَاعًا وَذَرْعًا وَأَذْرُعًا؛ لِأَنَّهُ -[387]- مَنْسُوبٌ إِلَيْكَ، وَإِلَى مَنْ تُخْبِرُ عَنْهُ، فَاكَتْفَىَ بِالْوَاحِدِ عَنِ الْجَمْعِ لِذَلِكَ، وَلَمْ يَذْهَبِ الْوَهْمُ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِمَعْنَى جَمْعٍ لِأَنَّ قَبْلَهُ جَمْعًا. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدَنَا أَنَّ النَّفْسَ وَقَعَ مَوْقِعَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي تَأْتِي بِلَفْظِ الْوَاحِدِ مُؤَدِّيَةً مَعْنَاهُ إِذَا ذُكِرَ بِلَفْظِ الْوَاحِدِ، وَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْجَمْعِ عَنِ الْجَمْعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {هَنِيئًا} [النساء: 4] فَإِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَنَّأْتُ الْبَعِيرَ بِالْقَطِرَانِ: إِذَا جَرِبَ فَعُولِجَ بِهِ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ:
[البحر الكامل]
مُتَبَذِّلًا تَبْدُوَ مَحَاسِنُهُ ... يَضَعُ الْهِنَاءَ مَوَاضِعَ النُّقْبَ
فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: {فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا} [النساء: 4] فَكُلُوهُ دَوَاءً شَافِيًا، يُقَالُ مِنْهُ: هَنَأَنِي الطَّعَامُ وَمَرَأَنِي: أَيْ صَارَ لِي دَوَاءً وِعِلَاجًا شَافِيًا، وَهَنِئَنِي وَمَرِئَنِي بِالْكَسْرِ، وَهِيَ قَلِيلَةٌ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ يَقُولُونَ يَهْنَأَنِي وَيَمْرَأَنِي، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ هَنَّأَنِي، يَقُولُونَ: يُهَنِّئُنِي ويَمُرِّئُنِي، فَإِذَا أَفْرَدُوا، قَالُوا: قَدْ أَمْرَأَنِي هَذَا الطَّعَامُ إِمْرَاءً، وَيُقَالُ: -[388]- هَنَأْتُ الْقَوْمَ: إِذَا عُلْتُهُمْ، سُمِعَ مِنَ الْعَرَبِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّمَا سُمِّيتَ هَانِئًا لِتَهْنَأَ، بِمَعْنَى: لِتَعُولَ وَتَكْفِي