وسيطر الثائرون على المدينة، إذ لم تكن هذه في وضع عسكري يحول دون ذلك بفعل توزيع القوى المسلحة في القواعد والأجناد، والثغور، ومن هنا كانت مهمة الثائرين يسيرة بحيث أنهم تنقلوا في عاصمة الخلافة دون أن يعترضهم أحد، ومنعوا الناس من الاجتماع، وابتزوهم، ووضعوا السيف في من تعرض لهم، فتفرق أهل المدينة في حيطانهم، ولزموا بيوتهم، لا يخرج أحد منهم، ولا يجلس إلا وعليه سيف يمتنع به من حصار القوم1.
تجاه هذا التغير في المواقف والتطور السلبي للقضية، انقسم الصحابة الموجودون في المدينة إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: هي التي بدل أصحابها موقفهم كليًا، فانفضوا من حول الخليفة بعد أن كانوا قد أمدوه بنصائحهم، وتوسطوا بينه وبين الثائرين، وتركوه يواجه مصيره، ذلك أنهم اعتقدوا أنه نكث بالوعد الذي قطعه لإصلاح نفسه2، وقبعوا في بيوتهم بعيدين عن المأساة التي تدور تحت سمعهم وأبصارهم، وإنه موقف حيادي لكن متخاذل سوف يساعد الثائرين المحاصرين لدار عثمان، بصورة غير مباشرة3.
الفئة الثانية: هي التي ساعد أصحابها الثائرين، وشاركوا في الحصار، فقد دفع طلحة بن عبيد الله بعشيرته تيم إلى المشاركة، وهو الطامع علنًا في الخلافة4، كما أظهر البدو وخزاعة من أسلم، وغفار عداء شديدًا تجاه عثمان، وانضموا إلى صفوف الثائرين وشجعوهم، حتى أنهم شاركوا في القتل5، هذا بلا شك بدافع الحقد الطبقي؛ ولأنهم مبعدون عن السلطة.
الفئة الثالثة: وهي التي استمر أصحابها على دعمهم للخليفة، فقد أرسل علي بن أبي طالب ابنه الحسن للدفاع عن دار عثمان في وجه المهاجمين، كما ذكرنا، كما أنه سيرسل قرب الماء إليه، وأرسل الزبير بن العوام ابنه عبد الله أيضًا ليقف إلى جانب الخليفة في مواجهة المحاصرين6.
في هذا الموقف الخطير والحرج استنجد عثمان بمعاوية في دمشق، وطلب منه أن يرسل إليه النجدات على وجه السرعة لمواجهة الثائرين المحاصرين لداره، لكن التعزيزات تأخرت، فقد تربص معاوية، الذي كان يراقب الموقف عن كثب، ربما