يتقدمه عمل آخر، ثم أنه ظل على أهميته إلى الآن. فأن المؤلفات التي ظهرت بعده كلها تقريبا تتخذه مرجعا. ولعل ذلك راجع أيضا إلى شموله لكافة العصور ونقوله العديدة من مؤلفات ووثائق تعتبر الآن مفقودة، سيما بعد أحداث ثورة 1954. كما أن لغة الكاتب سهلة فلا يجد قارئه عناء في الوصول إلى المعنى. وتداخل المعلومات أحيانا ووجود الخرافة في الكتاب يشفع لها ما يقدمه من مادة ذات قيمة كبيرة. ورغم أن النية - نية الفرنسيين - كانت عنئذ هي المحافظة على طابع الجزائر الإسلامية - الفرنسية، فأن النتيجة كانت عكس ما توقعوه، فقد بعث تعريف الخلف في النفوس الحمية والوطنية والغيرة على التراث والاعتزاز بالآباء والأجداد، ويمكن اعتبار ظهوره صفحة جديدة في اليقظة الوطنية والشعور بالذات السياسية، سيما في الوقت الذي كانت فيه مدرسة النخبة المتفرنسة تدعو إلى الاندماج الكلي في فرنسا والتخلص من كل روابط الماضي.
2 - الكتاب الثاني الذي جمع تراجم هو شعراء الجزائر في العصر الحاضر لمحمد الهادي السنوسي. وهو كتاب في جزئين، ترجم فيه الشعراء لأنفسهم في غالب الأحيان، مع نماذج من أشعارهم. وكان دور السنوسي هو الترتيب والتنسيق فقط، مع التقديم والمعاناة في طبع الكتاب في تونس. وكان لظهور الكتاب وقع كبير في الحياة الأدبية.
ويضم (شعراء الجزائر) حوالي عشرين ترجمة. وهي كما قلنا من نوع السير الذاتية. وبعض هذه السير طويل، وبعضها مجرد سطور أو فقرة. كما أن بعضهم قد تقدمت بهم السن، غير أن بعض السير كانت لشباب ما يزالون في مقتبل العمر. ورغم أن الكتاب قد نفد من أمد بعيد، فإنه لم يطبع من جديد ومن ثمة أصبح من الكتب النادرة (?).