الأستاذ أبو المِسْك الإخشِيدي السلطان، اشتراه الإخشيدي من بعض رؤساء المصريين، وكان أسود بصّاصًا1، فيقال: أنه اُبْتِيع بثمانية عشر دينارًا، ثم إنه تقدَّم عند الإخشيد صاحب مصر لعقله ورأيه وسَعْده، إلى أن كان من كبار القوّاد، وجهّزه في جيش لحرب سيف الدولة، ثمّ إنَّه لما مات أستاذه صار أتابك2 ولده أبي القاسم أَنُوجُور وكيله صبيًّا، فَغَلَبَ كافورُ على الأمور وبقي الاسمُ لأبي القاسم، والدَّسْت3 لكافور، حتى قال وكيله: خدمت كافور وراتبه كل يوم ثلاث عشر جراية، وتوفِّي وقد بلغت على يدي كل يوم ثلاثة عشر ألف جراية.

وأَنُوجُور معناه بالعربي محمود، ولي مملكة مصر والشام إلّا اليسير منها بعقد الراضي بالله، والمدبِّر له كافور. مات في سنة تسع وأربعين وثلاثمائة عن ثلاثين سنة، وأُقيم مكانه أخوه أبو الحسن عليّ، فأخذت الروم في أيّامه حلب وطَرَسُوس والمَصّيصة، وذلك الصقْع. ومات علي في أول سنة خمس وخمسين عن إحدى وثلاثين، فاستقلَّ كافور بالأمر، فأشاروا عليه بإقامة الدعوة لولد لعليّ المذكور، فاحتجّ بصِغَره، وركب في الدَّسْت بخلعٍ أظهر أنّها جاءته من الخليفة وتَقَليده، وذلك في صفر سنة خمس وخمسين، وتمَّ له الأمر.

وكان وزيره أبا الفضل جعفر بن الفرات، وكان راغبًا في الخير وأهله، ولم يبلُغْ أحدٌ من الخُدّام ما بلغ كافور، وكان ذكيًا له نظرٌ في العربيّة والأدب والعِلم، وممن كان في خدمته أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الله النجيرمي النَّحوي صاحب الزجَّاج، فدخل يومًا على كافور أبو الفضل بن عيّاش فقال: أدام الله أيّامِ سيّدنا -بخفض أيّام، فتبسَّم كافور ونظر إلى النجيرمي وقال ارتجالًا:

ومثل سيّدنا حالتْ مهابَتُه ... بين البليغ وبين القول بالحَصَرِ

فإنْ يكن خَفَضَ الأيام من دَهَشٍ ... وشدّة الخوف لا من قلّة البَصَر

فقد تَفَاءَلْتُ في هذا لسيدنا ... والفأل مأثورة عن سيّد البَشَر

فأمر له بثلاثمائة دينار.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015