387 - محمد بن سوار بن إسرائيل بن خضر بن إسرائيل بن الحسن، الفقير المشهور الشاعر الأديب البارع، نجم الدين الشيباني الدمشقي،

387 - مُحَمَّد بْن سَوّار بْن إِسْرَائِيل بْن خضِر بْن إِسْرَائِيل بْن الْحَسَن، الفقير المشهور الشاعر الأديب البارع، نجم الدّين الشَّيْبانيّ الدّمشقيّ، [المتوفى: 677 هـ]

صاحب الحريريّ، وصاحب الديوان المعروف.

وُلِدَ فِي ثاني عَشْر ربيع الأوّل سنة ثلاثٍ وستّمائة، وصحِب الشيخ عليا الحريريّ من سنة ثمانٍ عشرة، ولبس الخِرْقة من الشَّيْخ شهاب الدِّين السُّهْرَوَرْديّ وسمع عليه، وكان قادرا على النظم الرائق مكثرا منه. مدح الأمراء والكُبراء، وسلك فِي نظْمه مسلك ابن الفارض وابن العربيّ، وتجرَّد وسافر على قدم الفقر وقضّى أوقاتًا طيبة، وكان رَيحانة المشاهد وديباجة السماعات وأنيس المجامع، وكان يلثغ بالرّاء، ولا يحسن الرّقص ولا له فِيهِ طبع. وقد حضر مرّةً وقتًا وفيه نجم الدين ابن الحكيم الحموي، فغنى لهم القوال بقوله:

وما أنت غير الكون بل أنت عينه ... ويفهم هَذَا السّرّ مَن هُوَ ذائِقُ

فقال ابن الحكيم: كفرت كفرت. وتشوش الوقت، وقال ابن إسرائيل: ما كفرتُ، ولكنْ أنت ما تفهم هَذِهِ الأشياء.

ولا رَيْبَ فِي كثرة التّصريح بالاتّحاد فِي شِعر هَذَا المرء على مقتضى ظاهر الكلام، فإنْ عنى بقوله ما يظهر من نظْمه فلا ريب فِي كُفره، وإنْ عنى به غير ما يفهم منه وتكلِّف له أنواع التّأويلات البعيدة فقد أساء الأدب وأطلق فِي جانب الربوبيّة ما لا يجوز إطلاقه، وتَجَهْرَمَ على اللّه تعالى إذ جعل ذلك ديدنه، وهذا إنّما هُوَ على سبيل الفرض. أما من عرف مذهب القوم وحقيقة ما يعتقدونه فلا يرتاب في خروجهم من الملّة أو هُوَ منهم، نسأل اللّه العظيم أن يثبت قلوبنا على دينه، والمعصوم من عصم اللَّهِ، وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلا بِاللَّهِ. -[348]-

فَمَنْ شِعره:

أسُكّان قلبي إنّ تناءوا وإن حلّوا ... ومُلّاك ودّي واصلوني أو ملّوا

تساوى لديَّ البعدُ والقربُ فيكم ... كما قد تساوى عندي الهجر والوصل

فإن شئتم صُدّوا وإنْ شئتم صِلُوا ... فإنّ سواكم فِي فؤادي لا يحلو

سُهادي بكم أحلا لديَّ من الكرى ... وأصعب ما ألقاه فِي حبكم سهل

بحق جنوني فِي الهوى بكم اسفكوا ... دمًا هدرًا ما أن يراد له عقلُ

إذا آثرت قتلي سيوفُ لحاظكم ... فأعذب شيء عند عبدكم القتلُ

أأخشى إذا استشهدت فيكم صبابةً ... ببدرِ ومثلي ليس يخفي له فضلُ

دعوني منّي واصنعوا ما بدا لكم ... فإنّي لمّا أهّلتموني له أهلُ

حلفتُ بتوريد الخدود وما جنت ... عليَّ القدود الهيف والأعين النُّجلُ

وليلتنا بالسّفح إذ يسفح النّدا ... دموعًا وإذ سمّارنا البان والأثلُ

لقد ضاع ذِكري فِي الوجود بحبّكم ... كما ضاع فِي وجدي بحسنكم العذلُ

ودقّ عن الواشي حديث تولّهي ... كما جلّ شوقي أنْ تبلغه الرسلُ

وصِرْتُ أمير العاشقين وكيف لا ... ونقلُ أحاديثي لندمانهم نُقْلُ

فكلّ مُحبّ مات فيكم صبابةً ... صُبابةُ كأسي أكسبته الضّنى قبلُ

وما سمحت روحي بحبّ سواكم ... على أنّها ما من خلائقها البخلُ

نديميّ هَلْ فِي حبّهم من ندامة ... فأتركه أم هَلْ لهم فِي الورى مثلُ

أردت بذلي فِي هواهم تقرُّبًا ... ومَن عزَّ مَن يهواه لذَّ له الذّلُّ

ومن شِعره:

لا تشرب الراحَ إلّا مع أخي ثقة ... يرعى مودّة أهلِ الحان فِي الحانِ

ولا يرى وجه ساقيها سوى رجلٍ ... لا ينظر الخمر والخمارَ اثنانِ

إنّ غُيِّبت ذاتها عنّي فلي بصرٌ ... يرى محاسنها فِي كلّ إنسانِ

فِي القلب سِرٌّ لليلى لو نطقت به ... جهرًا لأفتوا بكفري بعد إيماني

السّرّ الَّذِي فِي قلْبه هُوَ أنّ العباد حقيقة المعبود، وأنّ المعبود حقيقة العباد؛ أي ليس اللّه عنده شيئًا آخر سوى المخلوقات، ولا لربّ العالمين وجود متميّز فِي نفس الأمر عن الموجودات. وهذا مذهب الدّهرية بعينه، لا بل شرّ من مذهب الدّهريّة، سبحان اللّه وتعالى عمّا يقولون عُلُوًّا كبيرًا. فينبغي للإنسان -[349]-

إذا حكى قول الكُفر أن يُسبّح اللّه ويقدسه ويمجده لينجيه من الكفر، ولقد اجتمعتُ بغير واحد مِمَّنْ كان يقول بوحدة الوجود ثُمَّ رجع وجدّد إسلامه، وبيّنوا لي مقالة هَؤُلَاء أن الوجود هُوَ الله تعالى، وأنه تعالى يظهر في الصور المليحة والأشياء البديعة.

ومن قصيدة ابن إسرائيل المسمّاة بعَرْف العرفان حيث يقول:

لقد حق لي عشق الوجود وأهله ... وقد علقت كفّاي جمعًا بموجدي

نديمي من سعد أريحا ركائبي ... فقد أمنت من أن تروح وتغتدي

ولا تلزماني النُّسْك فالحبّ شاغلي ... ولا تذكرا لي الورد فالراح موردي

أمِن بعد ما قد برّد الوصْلُ غلّتي ... وزار الكَرَى أجفانَ طَرْفي المسهَّدِ

وأمسيت والكاسات شمسي وأصبحت ... عروسُ حمَيّا الرّاح تُجلَى على يدي

ونادمت فِي ديَر الحبيس غزالةً ... وزُخرِف لي فِي هيكلِ الدَّيرِ مقعدي

منها:

ذَرَاني وعزْمي والدُّجى ومزاره ... فقد أَبَتِ العَلياءُ إلّا تفرّدي

ولا تيأسًا من رَوْحه وتأسّيا ... فكم مُعْرِضٍ فِي اليوم يقبلُ فِي غدِ

فتى الحبّ صَبٌّ باع مُهجة نفسهِ ... لجيرةِ ذاك الحيّ نْقدًا بموعدِ

هُوَ الحبُّ إما مُنْية أو مَنِيّةٌ ... ودون العُلَى حدُّ الحسام المهنَّدِ

ألم تريا أنّي وجدتُ تلذُّذي ... برؤياهُ عُقْبَى حيرتي وتلدُّدي

وقد عشت دهرًا والجمالُ يهزّني ... وتُطْربني الألحانُ من كلّ مُنْشدِ

وأغدو وَفِي ليل الغدائر دائبًا ... أضلّ ومن صُبح المباسِمِ أهتدي

ويسقم جسمي كلّ جفنٍ وتارةُ ... يورّد دمعي كلُّ خدٍّ مورّدِ

وأصبو متى هبت صبا حاجرية ... تخبرني عن منجدٍ غير منجدي

فَلَمَّا تجلّى لي على كل شاهدٍ ... وسامَرَنِي بالرَّمز فِي كلّ مشهدِ

تجنَّبت تقييدَ الجمال ترفُّعًا ... وطالعتُ أسرارَ الجمال المبدَّدِ

وصار سماعي مطلقًا منه بدؤه ... وحاشى لمثلي من سماع مقيد

ففي كلّ مشهودٍ لقلبي شاهدٌ ... وَفِي كل مسموعٍ له لحنً مَعْبَدِ

أراه بأوصافِ الجمال جميعها ... بغير اعتقاد للحلول المبعَّد -[350]-

ففي كلّ هيفاء المعاطفِ غادة ... وَفِي كلّ مصقول السّوالف أغْيَدِ

وعند اعتناقي كلّ قَدٍّ مهفهفٍ ... ورشْفي رضابًا كالرّحيق المبرَّدِ

وَفِي الدّر والياقوت والمِسْك والحلَى ... على كلّ ساجي الطّرفِ لدن المقلد

وفي حلل الأثواب راقت لناظر ... بزبرجها من مُذْهب ومعمّدِ

وَفِي الرّاح والرَّيْحان والشّمع والغِنا ... وَفِي سجع ترجيع الحمام المغرّدِ

وَفِي الدَّوح والأنهار والرّوح والنَّدَى

وَفِي كلّ بستانٍ وقصرٍ مُشيَّدِ ... وَفِي الرّوضة الغنّاء غبّ سمائها

يضاحكُ نور الشمس نوّارها النّدي ... وَفِي صفو رَقراق الغديرِ إذا حكى

وقد جعّدته الرّيحُ صفحة مَبرّد ... وَفِي اللَّهْو والأفراح والغفْلة الّتي

تمكِّنُ أَهْل الفرق من كلّ مقصدِ ... وعند انتشاء الشُّرْب فِي كلّ مجلسٍ

بهيج بأنواع الثّمار منضَّدِ ... وعند اجتماع النّاس فِي كل جمعة

وعيدٍ وإظهار الرياش المجدد ... وفي لَمَعان المَشْرَفيّات فِي الوغى

وَفِي مَيْلِ أعطاف القنا المتأود ... وفي الأعوجيات العتاق إذا انبرت

تسابق وقد الرّيح فِي كلّ مطردِ ... وَفِي الشمس تحكي فِي تبرّج نورها

لدى الُأفْق الشّرقيّ مرآة عسجدِ ... وَفِي البدر بدر الُأفق ليلةَ تَمِّهِ

جلته سماءٌ مثل صرْحٍ ممرَّدِ ... وَفِي أنجُمٍ زانت دُجاها كأنّها

نثارُ لآلٍ فِي بساطٍ زبرجد ... وفي البرق يبدو موهنا في سحابة

كباسمِ ثغرٍ أو حسامٍ مُجَرَّدِ ... وَفِي حُسن تنميق الخطاب وسرعة الـ

ـجواب وَفِي الخطّ الأنيقِ المجوّدِ ... وَفِي رقَّة الأشعار راقت لسامع

بدائعُها من مقصر ومقصَّدِ ... وَفِي رحمة المعشوق شكوى محبه

وَفِي رقَّة الألفاظ عند التّودُّدِ ... وَفِي أَرْيَحيّاتِ الكريمِ إِلَى النّدى

وَفِي عاطفاتِ العفْو من كلّ سيّدِ ... وحالةِ بسطِ العارفين وأُنسهم

وتحريكهم عند السّماع المقيَّدِ ... وَفِي لُطْف آياتِ الكتابِ التي بها

تنسم روح الوعدِ بعد التَّوَعُّدِ -[351]-

المظاهر الجلاليَّة

كذلك أوصافً الجلالِ مظاهرٌ ... أشاهدُه فيها بغير تردُّدِ

ففي صَوْلة القاضي الجليلِ وسمْتهِ ... وَفِي سطوة السّلطان عند التمرُّدِ

وَفِي حدَّة الغضبان حالةَ طيِشه ... وَفِي نَخْوة القرْم المَهيبِ المسوَّدِ

وَفِي سَوْرة الصَّهباء جار مديُرها ... وَفِي يبس أخلَاق النّديم المعربد

وعند اصطدام الخيل في كل مأزق ... تعثر فيه بالوشيج المقصد

وفي شدَّةِ اللَّيْث الهصور وبأسهِ ... وشدّة عَيشٍ بالسقام منكد

وفي روعة البين المشت وموقف الـ ... ـوداع لحرّان الجوانح مكمدِ

وَفِي فرقة الُألّافِ بعد اجتماعهم ... وَفِي كلّ تشتيت وشُمْلٍ مبدّدِ

وَفِي كلّ دارٍ أقفرتْ بعد أُنْسها ... وَفِي طَلَلٍ بالٍ ودارسِ معهدِ

وَفِي هَولِ أمواجِ البِحار ووحشة الـ ... ـقفار وسيلٍ بالمذانب مُزبدِ

وعند خشوعي للصّلاة لعزَّة الـ ... ـمناجي وَفِي الإطْراق عند التَّشَهُّدِ

وحالة إهلال الحجيج بحجهم ... وإعمالهم للعيس في كل فدفد

ويبدو بأوصافِ الكمالِ فلا أرى ... برؤيته شيئًا قبيحًا ولا ردي

فكلّ مسيء بي إليَّ كمحسن ... وكل مضل لي لديَّ كمرشدِ

ولا فرق عندي بين أُنْسٍ ووحشةٍ ... ونورٍ وإظلامٍ ومُدْنٍ ومُبْعدِ

وسيّانَ إفطاري وصَوْمي وفترتي ... وجهدي ونومي وادعًا وتهجُّدي

أُرى تارةً فِي حانة الخمر خالعًا ... عذاري وطَورًا في خبية مَعْبدِ

وهي مائة بيت، اخترتُ منها هَذَا.

وله:

جهد المحبّة لوعةٌ وغرام ... وصبابةُ وكآبة وسقامُ

ومدامع مسفوحة وأضالع ... مقروحة وتولُّه وغرامُ

وتذكّرٌ إنْ لاح برقٌ بالغضا ... أو ناح فِي عذْب الغصون حمامُ

وبكا على الأطلال غيّرها البلى ... ورَمَت نضارةَ رسمها الأعوام -[352]-

ورضى بأحكام الحبيب وإن جفا ... ونأى وعزّ من الخيال مرامُ

أوصاف باقٍ لم يبن عن رسمه ... وبقاء أبناء الغرام حرام

والعاشقون على اختلاف شؤونهم ... عما يحقّقه الفناء نيامُ

كلٌّ يشير إِلَى سواه ولا سوى ... إلّا إذا ما ضلّت الأفهامُ

وهي طويلة من أبدع قصائده، لولا ما عكّر بقوله فيها:

قومٌ بهم قام الوجود لأنّهم ... قعدوا بعرفان الإله وقاموا

ظهروا وقد خفيت صفات نفوسهم ... فهم لإعلام الورى أعلامُ

وردوا معين الجمع فاجتمعت لهم ... صُوَرُ العوالم فالشَّتات نظامُ

وحقائق الأشياء فِي ميزانهم ... شيء فَمَا بين الأنام خصامُ

والعارفون بفضلهم ورّاثهم ... والجاحدوا إنعامهم أنعامُ

ووراءهم قومٌ معارفهم إِلَى ... حدّ الصفات يردُّها الإعظامُ

وهم على رتب تفاوت قدرها ... وكذاك يقسم فضله القسّامُ

فَمَن اجتلى صفة الجمال فدهره ... عشقٌ وقصْفٌ والغرام مدامُ

وتشوقه الأغصان والريحان ... والكثبان والغزلان والآرامُ

ويحبُ أخبار الغرام وأهلَه ... وتهزّه الأوتارُ والأنغامُ

هش تراه للخلاعة باسمًا ... كالبدر جلّى عن سناه غمامُ

ويرى المليحة فِي القبيح فَمَا له ... بسوى الجمال على المدى إلمامُ

ومَن انتحى صفة الجلال فدهره ... قبضٌ وكلُّ زمانه إحجامُ

وقد روى عَنْهُ أبو الْحُسَيْن اليُونينيّ، وأبو مُحَمَّد الدّمياطيّ، وأبو مُحَمَّد البِرْزاليّ، وغيرهم من شِعره.

وتُوُفِّي فِي رابع عشر ربيع الآخر، ودُفن بقُبة الشَّيْخ رسلان، وشيعه قاضي القضاة شمس الدين ابن خَلِّكان والأعيان والفقراء والخلْق.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015