وشاعت القصيدة وبلغت المأمون فحرّض على قتله، وفرّ ابن الصفار إلى أبى زكريا بن عبد الواحد أمير تونس وأجرى عليه راتبا شهريا إلى أن بارح دنياه. ويظل شرر الهجاء يتطاير فى إمارة بنى الأحمر، ويكثر الشعراء حينئذ من ذم الزمان والناس، على نحو ما يلقانا عند البسطى محمد بن عبد الكريم القيسى بأخرة من زمن تلك الإمارة، وقد صبّ كثيرا من هجائه على القضاة والمشرفين على الأحباس، ومن هجائه لقاضى بلدته (?):
تبّا لقاضى بسطة ابن مفضّل … تبّا له فيه يروح ويغتدى
إذ غيّر الأحكام عما أصّلت … تغيير جبّار عنيد معتدى
وحرى بنا أن نتوقف قليلا بإزاء أربعة من كبار الهجائين فى الأندلس على مر عصورها هم يحيى الغزال والسّميسر واليكّى وعلى بن حزمون.
يحيى (?) الغزال
هو يحيى بن الحكم البكرى الجيّانى المعروف باسم الغزال، ولد حوالى سنة 156 للهجرة وتوفى حوالى سنة 250 وإذا صحّ ذلك يكون قد عاش أكثر من تسعين سنة، ويؤكد ذلك ما ذكره فى أرجوزته التاريخية من قوله:
أدركت بالمصر ملوكا أربعه … وخامسا هذا الذى نحن معه
فهو قد أدرك زمن عبد الرحمن الداخل المتوفى سنة 172 وابنه هشام وحفيده الحكم الربضى وابنه عبد الرحمن وحفيده محمد، وكان جميل الصورة لذلك لقّب بالغزال وهو ممن رحلوا إلى المشرق وأفادوا منه أدبا وعلما. ويبدو أنه كان يتولى أحيانا بعض أعمال للدولة وخاصة فى زمن الأمير عبد الرحمن الأوسط، إذ تولى له قبض الأعشار من المحاصيل وخزنها، ويقال إن سعرها ارتفع فى بعض الأعوام فباع كل ما لديه من مخزون، وغضب الأمير حين علم بصنيعه لأنها كانت معدة للجند، وأمره أن يرد ثمنها ويشترى