وفى رأينا أن هذا البيت هو الذى ألهم أبا العلاء قصيدته: «غير مجد فى ملتى واعتقادى». وتسرى فيه روح تشاؤم جعلته ثائرا على الزمن والدهر والناس، وهى روح تحبّب أشعاره إلى قارئه، من مثل قوله:
صحب الناس قبلنا ذا الزمانا … وعناهم من شأنه ما عنانا
وتولّوا بغصّة كلّهم من … هـ وإن سرّ بعضهم أحيانا
وتكثر فى شعره الحكم والأمثال، حتى ليصبح جلّ ما يدور من خواطر فى أذهان الناس أمثالا أو حكما ينطق بها فى شعره، ولفت ذلك القدماء وحاولوا أن يصلوا بينه وبين أرسطو فيه، ولكن من المؤكد أن حكمه وليدة عقله الكبير وخبرته الواسعة بالحياة والناس، وقد أنشدنا منها أطرافا فيما مرّ من الحديث. وله غزل طريف، وهو فيه مفتون دائما بالبدويات لجمالهن الفطرى وفى ذلك يقول:
حسن الحضارة مجلوب بتطرية … وفى البداوة حسن غير مجلوب
أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها … مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب
وأكبر الظن أن فيما قدمت ما يجلو بعض الجلاء شخصية المتنبى الفذة ويرد عنها جملة التّهم التى نسجها بعض الباحثين المعاصرين من العرب والمستشرقين حول نسبه وصحته وحول قرمطيته وعقيدته، وهو قد فرّ مع أبيه من وجه القرامطة حدثا ورحل بسببهم عن الكوفة فى باكورة شبابه، وحاربهم بأخرة من عمره، ومع ذلك يقال إنه قرمطى، ويلقى ظل من الشك على عروبته، مع أن العروبة لم تجد من يفضله لتختاره ترجمانا لها أروع ما يكون الترجمان.
هو أبو الفتح محمد بن عبيد الله بن عبد الله، كان أبوه مولى لبنى المظفّر واسمه نشتكين، فسماه ابنه عبيد الله وسمى جده عبد الله، وقد ولد لأبيه ببغداد سنة 519 ويبدو أنه توفى وابنه لا يزال صغيرا، فكفله جده لأمه أبو محمد المبارك الزاهد المعروف بابن التعاويذى وكان صالحا، فقام على تربيته خير قيام، إذ ألحقه بكتّاب، ثم بحلقات العلماء