هو عبد الله بن محمد المعروف بابن شرشير، من أهل الأنبار وفيها ولد ونشأ، ثم تركها إلى بغداد، واستقر بها طويلا، وفيها تلقّن علم الكلام كما تلقن كثيرا من العلوم، وكان ذكيّا ذكاء حادّا، وصرف ذكاءه فى مناهضة العباقرة من عالمه والعالم الخارجى، إذ ألف كتابا ينقض به منطق أرسطو وكتابا ثانيا ينقض به آراء الخليل ابن أحمد فى العروض ومثّل لقواعده بغير أمثلته. وحاول أن ينقض علل النحويين.
ونظم قصيدة طويلة فى فنون العلوم والآداب بلغت أربعة آلاف بيت فى روىّ واحد وقافية واحدة لم تصلنا، وربما كانت منها الأبيات التى أنشدها الحصرى له فى موضوعات الشعر وصفاته اللفظية والمعنوية. وكان شيعيّا، وربما شيعيته هى التى جعلته يترك بغداد عاصمة الدولة العباسية إلى مصر ويتوفّى بها سنة 293 للهجرة.
وله كتاب فى تفضيل الشعر مما يدل على أنه لم يكن شاعرا ولا عالما فقط بل كان أيضا ناقدا، ولعل هذا الكتاب هو الذى جعل أبا حيان التوحيدى يعجب به وبنقده للشعر إذ يقول: «ما أصبت أحدا تكلم فى نقد الشعر وترصيفه أحسن مما تكلم به الناشئ المتكلم، وإن كلامه ليزيد على كلام قدامة وغيره، وله مذهب حلو وشعر بديع واحتفال عجيب»، وينقل أبو حيان فى تضاعيف كتابه بعض ما قرأه له، فمن ذلك حديثه عن دواعى الشعر وبواعثه، وهو يجرى على هذا النمط:
«أول الشعر إنما يكون بكاء على دمن، أو تأسفا على زمن، أو نزوعا لفراق، أو تلوعا لاشتياق، أو تطلعا لتلاق، أو إعذارا إلى سفيه، أو تغمدا لهفوة، أو تنصلا من زلّة، أو تحضيضا على أخذ بثأر، أو تحريضا على طلب أوتار، أو تعديدا للمكارم، أو تعظيما لشريف مقام، أو عتابا على طويّة أو متابا من مقارفة ذنب، أو تعهدا لمعاهد أحباب، أو تحسرا على مشاهد أطراب، أو