إذا زفرات الحبّ صعّدن في الحشى ... رددن ولم يفتح لهن طريق

للعباس بن الأحنف:

أرى الطّريق قريباً حين أسلكه ... إلى الحبيب بعيداً حين أنصرف

أنشدنا أبو القاسم محمد بن نصر الكاتب رحمه الله لنفسه في معنى بيت عباس هذا:

أمر نشيطاً إذا زرتكم ... وأرجع كسلان لا أنشط

وسير المطية ما كدني ... ولكن هوى لكم مفرط

وقال العباس بن الأحنف:

يقرب الشوق داراً وهي نازحةٌ ... من عالج الشوق لم يستبعد الدارا

وله:

مت على من غبت عنه أسفاً ... لست منهم بمصيبٍ خلفا

لن ترى قرة عين أبداً ... أو ترى نحوهم منصرفا

قلت لما شفَّني وجدي بهم ... حسبي الله لما بي وكفى

بين الدمع لمن يبصرني ... ما تضمني إذا ما ذرفا

ولمحمد اليزيدي:

أتيتك عائداً بك من ... ك لما ضاقت الحيل

وصيرني هواك وبي ... لحيني يضرب المثل

فإن سلمت لكم نفسي ... فما لاقيته جلل

وإن قتل الهوى رجلاً ... فإني ذلك الرجل

كتب المهدي إلى الخيزران وهو بمكة:

نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور

عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور

فأجدوا المسير، بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا

فأجابته:

قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير

ليت أنّ الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجنّ الضمير

لم أزل صبّةً فإن كنت بعدى ... في سرورٍ فدام ذاك السرور

قال بعض الأدباء: ما أشد جولة الرأي عند الهوى وفطام النفس عند الصبّا، لقد تصدعت كبدي للمحبّين لو العاذلين قرطة في آذانهم ونيران متأججة في أبدانهم لهم دموع غزيزةٌ على المغائي، كغروب السّواني وأنشد:

سقى الله أطلالاً لليلي وشقّقت ... عليهنّ من غرّ الغمام جيوب

فما تقشعرّ الأرض إن نزلت بها ... ولكنها تزهي بها وتطيب

وقال آخر:

وقال أناسٌ: لا يضريك نأيها ... يلي كلّ ما شفّ النفوس يضيرها

أليس يضير العين أن تكثر البكاء ... ويمنع منها نومها وسرورها

وقال آخر:

فلو أن شرق الشّمس بيني وبينها ... وأهلي وراء الشمس حيث تغيب

لحاولت قطع الأرض بيني وبينه ... وقال الهوى لي إنه لقريب

وقال الصمّة بن عبد الله القشيري:

إذا ما أتتنا الريح نحو أرضكم ... أتينا برياكم فطاب هبوبها

أتينا بريح المسك خالط عنبراً ... وريح الخزامي باكرتها جنوبها

وقال آخر:

ضاف قلبي الهوى فأكثر سهوى ... وجوى الحب مفظع كلّ حلو

لو علا بعض ما علاني ثبيراً ... ظلّ ضعفاً ثبير من ذاك يهوى

من يكن من هوى الغواني خلواً ... يا ثقاتي فإنني غير خلو

قال العبّاس بن الأحنف:

جرى السّيل فاستبكاني السيل إذ جرى ... وفاضت له من مقلتيّ غروب

وما ذاك إلاّ أن تيقنت أننّي ... أمرّ بوادٍ أنت منه قريب

يكون أجاجا قبلكم فإذا انتهى ... إليكم تلقّى طيبكم فيطيب

أيا ساكني شرقيّ دجلة كلكم ... إلى القلب من أجل الحبيب حبيب

قال بعضهم: لو لم يكن في العشق إلاّ أنه يشجع قلب الجبان، ويسخي كف البخيل، ويصفّي ذهن الغبي، ويبعث حزم العاقل، ويخضع له عزّ الملوك، وتصرع له صولة الشجاع، وينقاد له كلّ ممتنع، لكفي به شرفا.

قال الأصمي:سمعت أعرابيّا يقول: إذا ترعت هتوف الضحى على الغصون، أرسلت الشئون مياها إلى العيون،فمن ذاد عينيه عن البكا أورث قلبه حزنا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015