بدائع الفوائد (صفحة 185)

وتحت العوالي والقنا مستكنة ... ظباء أعارتها العيون الجآذر

فإن قيل: حمل سيبويه وغيره على أن جعلوا موحشا حالا من طلل وقائما حالا من قولك فيها قائما رجل وهو لا يقول بقول الأخفش أن رجلا وطللا فاعل بالاستقرار الذي تعلق به الجار فلو قال بهذا القول كان عذرا له في جعلها حالا منه ولكن الاسم النكرة عنده مبتدأ وخبره في المجرور قبله ولا بد في خبر المبتدأ من ضمير يعود على المبتدأ تقدم الخبر أو تأخر فلم لا تكون هذه الحال من ذلك الضمير ولا تكون من النكرة وما الذي دعاهم إلى هذا قيل هذا سؤال حسن جدا يجب التقصي عنه والاعتناء به فقد كعّ عند أكثر الشارحين للكتاب والمؤلفين في هذا الباب وما رأيت أحدا منهم أشار فيه إلى جواب مقنع وأكثرهم لم ينتبه للسؤال ولا تعرض له والذي أقوله وبالله التوفيق: إن هذه المسألة في النحو بمنزلة مسائل الدور في الفقه ونضرب فيه مثالا فنقول رجل شهد مع آخر في عبد أنه حر فعتق العبد وقبلت شهادته ثم شهد ذلك الرجل مرة أخرى فأريد تجريحه فشهد العبد المعتق فيه بالجرحة فإن قبلت شهادته ثبت جرح الشاهد وبطل العتق وإذا بطل العتق سقطت الشهادة وإن سقطت شهادته لم يصح جرح الشاهد ودارت المسألة وهكذا وكل فرع يؤول إلى إسقاط أصله فهو أولى أن يسقط في نفسه وكذلك مسألة هذا الفصل فإنك إن جعلت الحال من قولك فيها قائما رجل من الضمير لم يصح تقدير المضمر إلا مع تقدير فعل يتضمنه ولا يصح تقدير فعل بعده مبتدأ لأن معنى الابتداء يبطل ويصير المبتدأ فاعلا وإذا صار فاعلا بطل أن يكون في الفعل ضمير لتقدم الفعل على الفاعل وإذا بطل وجود الضمير بطل وجود الحال منه وهذا بديع في النظر فإن قيل: إن المجرور ينوى به التأخير لأن خبر المبتدأ حقه أن يكون مؤخرا قيل: وإذا نويت به التأخير لم يصح وجود الحال مقدمة على المبتدأ لأنها لا تتقدم على عاملها إذا كان معنويا فبطل كون الحال من شيء غير الاسم النكرة الذي هو مبتدأ عند سيبويه وفاعل عند الأخفش وهذا السؤال لا يلزم الأخفش على مذهبه

طور بواسطة نورين ميديا © 2015