غروب الشمس، حتى مكّنهم من العبور من باب السلسلة، فطلعوا ومعهم الخليفة المتوكل على الله والقضاة الأربعة، وتكلموا فيمن ينصّبوه سلطانا، حتى اتّفقوا على سلطنة الأمير عبد العزيز بن الملك الظاهر برقوق، فإنه ولى عهد أخيه فى السلطنة حسبما قرّره والده الملك الظاهر برقوق قبل وفاته، فطلبوه من الدّور السلطانية، فمنعته أمه خوند قنّق باى أوّلا، ثم دفعته لهم فأحضروه، وتم أمره، وتسلطن حسبما نذكره فى محلّه من ترجمته، وخلع الملك الناصر فرج من السلطنة وسنّه نحو سبع عشرة سنة تخمينا، فكانت مدّة تحكم الملك الناصر على مصر من يوم مات أبوه الملك الظاهر برقوق إلى يوم خلع ست سنين وخمسة أشهر وأحد عشر يوما [والله أعلم «1» ] .

«انتهى الجزء الثانى عشر من النجوم الزاهرة، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثالث عشر، وأوّله: السنة الأولى من سلطنة الملك الناصر فرج بن الظاهر برقوق الأولى على مصر» .

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج 13، ص: 1

[الجزء الثالث عشر]

بسم الله الرّحمن الرّحيم

تقديم

كتاب النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة لأبى المحاسن يوسف بن تغرى بردى المتوفى فى أخريات سنة أربع وسبعين وثمانمائة هجرية من الكتب القلائل التى جعلت الأحداث فى مصر وما يدور فى فلكها من الأقاليم والأطراف مدار بحثها، إلا أنه ينفرد من بينها بأنه أجمعها وأسلسها لغة، وأبعدها عن الحشو، وأكثرها تنظيما، وأشدها اهتماما بألوان الحضارة المختلفة وتطورها على مدارج التاريخ فى الدولة العربية.

ثم هو يعدّ فى أجزائه من الأوّل إلى الثانى عشر- وهى التى تعالج الحقبة التاريخية من سنة عشرين من الهجرة إلى سنة إحدى وثمانمائة- واسطة بين الكتب والموسوعات التاريخية التى اهتمت بمعالجة الأحداث فى تلك الحقبة، فهو وإن اعتمد عليها فى تأليف مادته فإنه تميز عليها فى كثير من المواطن بأحكامه الصادقة واستنباطاته السليمة. ثم هو فيما بعد ذلك إلى سنة اثنتين وسبعين وثمانمائة من الهجرة يعتبر عمدة فى تاريخ مصر والأطراف إذا ما قورن بغيره من الكتب التى تعرضت لأحداث ما بعد السنة الحادية والثمانمائة من الهجرة.

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج 13، ص: 2

ومن هنا لقى هذا الكتاب اهتماما بالغا من العلماء العرب والمستشرقين ابتداء من سنة 1855 م قشروا منه أجزاء تكاد تشمله كله. ومن قبل أمر السلطان سليم الأول العثمانى بترجمته إلى اللغة التركية. بل ترجم إلى اللغة اللاتينية وغيرها.

وكان لاهتمام القسم الأدبى بدار الكتب بتحقيق أجزاء منه ونشرها فضل كبير فى تيسير الاستفادة به، ولقد بدأ فى نشره سنة 1929 م ثم توقف عن الاستمرار فى نشره بعد أن أخرج الجزء الثانى عشر سنة 1956 م.

ثم أخذت المؤسسة المصرية العامة للتأليف والترجمة والطباعة والنشر على عاتقها مسئولية تحقيق الأجزاء الأربعة الباقية منه والتى لم يسبق نشرها فى مصروفنا للمنهج الذي نهجه القسم الأدبى.

وأسند تحقيق هذا الجزء الثالث عشر إلى العالم الجليل الأستاذ/ حسن عبد الوهاب ولكنه توفى إلى رحمة الله قبل أن يبدأ فى التحقيق، وتعثرت بقية الأجزاء أيضا فى مرحلة التحقيق لأسباب مختلفة.

ولما توليت منصب رئيس مجلس إدارة المؤسسة، وأطل علينا عام الاحتفالات بالعيد الألفى لمدينة القاهرة وجهت اهتمامى إلى دفع الأجزاء الباقية فى مراحل التحقيق والنشر.

فأسندت المؤسسة تحقيق هذا الجزء الثالث عشر إلى الأستاذ/ فهيم محمد شلتوت، وطلبت منه أن يفرغ جهده كله لتحقيقه وعمل فهارسه بحيث يكون بداية فى طبع الأجزاء الأربعة الباقية. وقد قام السيد/ المحقق بواجبه فى إخلاص وأمانة وأنجز التحقيق والفهارس على خير وجه.

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج 13، ص: 3

والجزء الثالث عشر هذا يعالج حقبة من تاريخ العالم العربى والأطراف الدائرة فى فلكه، وهى حقبة سلطنة الملك الناصر فرج بن برقوق (801 هـ- 815 هـ) وما تخللها من سلطنة أخيه الملك المنصور عبد العزيز. ثم سلطنة الخليفة المستعين بالله العباس، وقد شهدت فيها مصر وما والاها أحداثا لم تشهد مثلها من قبل.

شهدت فيها غزو تيمورلنك لسوريا (802- 803 هـ) وما كان من عجز السلطان وولاته عن دفع هذا الغزو، ثم ما كان من تلك المذابح التى تميز بها الغزو التترى المغولى والتى لم يسجل مثلها التاريخ بشاعة وقسوة.

وشهدت هذه الحقبة أيضا أسوأ صورة للخلاف والصراع بين سلطان وكبار رجال دولته بحيث فنى كثير منهم تحت عقوبته وبحد سيفه. ومع ذلك استمروا فى صراعه حتى تغلبوا عليه وقتلوه بقلعة دمشق سنة 815 هـ.

وشهدت فيها قيضاصور فن النيل (806- 807 هـ) مما أدى إلى الجدب العظيم الذي شمل البلاد وأصابها بسنة من السنين العجاف التى حلت بالدولة الإسلامية على مدارج التاريخ.

وشهدت هذه الفترة أيضا انتشار الطاعون (808 هـ، 813 هـ) والموتان المنتشر بين السكان شرقا وغربا وشمالا وجنوبا.

كما شهدت الغلاء الفاحش والفقر المدقع والجوع الشامل.

وانعكس أثر ذلك كله فى الحياة السياسية والاقتصادية والعمرانية ففسدت الأحوال وتولى الأمور من لا يحسن أداءها، وتوصل كل طالب وظيفة إليها بالرشوة والبذل، ثم تسلط بعد ذلك على رقاب ذوى الحرف والتجار والزراع يفرض عليهم أنواع الضرائب والإتاوات، ولا يكف عن طلبها ولا يعف

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج 13، ص: 4

فى تحصيلها، وابتلى أهل الريف خاصة بكثرة المغارم وتنوّع المظالم، فاختلت أحوالهم، وجلوا عن أوطانهم.

وكما يقول تقي الدين المقريزى «1» : «فاقتضى الحال من أجل ذلك ثورة أهل الريف، وانتشار الزّعّار وقطاع الطريق ... وتزايدت غباوة أهل الدولة، وأعرضوا عن مصالح العباد ... ثم إن قوما ترقوا فى خدم الأمراء يتولّفون إليهم بما جبوا من الأموال ... فأحبوا مزيدا من القربة منهم- ولا وسيلة أقرب إليهم من المال- فتعدوا إلى الأراضى الجارية فى إقطاعات الأمراء، وأحضروا مستأجريها من الفلاحين وزادوا فى مقادير الأجر ... وجعلوا الزيادة ديدنهم فى كل عام حتى بلغ الفدان- لهذا العهد- نحوا من عشرة أمثاله قبل هذه الحوادث» .

ولقد كان ذلك الخراب الذي نزل بالديار المصرية، وقضى على كثير من المنشآت العمرانية نتيجة للإهمال، ولاستحواز السلطان وبطانته على أوقافها وتوجيه أرياعها إلى مصارف أخرى، وأصبح الحديث عن سنة 806 هـ- فيما تلاها من الأزمان- يعطى صورة لأفدح ما أصيبت به الآثار العمرانية- التى وصلت إلى قمة الفن المعمارى للعصر المملوكى والأيوبى والفاطمى- من الهدم والخراب والاندثار.

وإنى إذ أقدم هذا الجزء الثالث عشر للقارئ فإننى أرجو أن يجد بقية

النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة، المقدمةج 13، ص: 5

الأجزاء الأربعة من الكتاب بين يديه تباعا بإذن الله، حيث إنه قد تم تحقيقها وأخذت طريقها إلى المطابع.

ولعل نشر هذه الأجزاء من هذا الكتاب يكون بمثابة تحية من الهيئة المصرية العامة للتأليف والنشر للقاهرة فى عام أعيادها الألفية.

والله ولى التوفيق.

شوال سنة 1389 هـ. دكتورة ديسمبر سنة 1969 م. سهير القلماوى

طور بواسطة نورين ميديا © 2015