وَبَيْنَ اخْتِيَارِهِ، فَمِنْ هُنَا صَارَ فِيهَا مَسْلُوبَ الْحَظِّ، مَحْكُومًا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ، وَإِنْ صَارَ لَهُ فِيهَا حَظٌّ، فَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى تَابِعَةٍ لِهَذَا الْمَقْصِدِ الْأَصْلِيِّ.
وَأَمَّا كَوْنُهَا كَفَائِيَّةً، فَمِنْ حَيْثُ كَانَتْ مَنُوطَةً بِالْغَيْرِ أَنْ يَقُومَ بِهَا عَلَى الْعُمُومِ فِي جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، لِتَسْتَقِيمَ الْأَحْوَالُ الْعَامَّةُ الَّتِي لَا تَقُومُ الْخَاصَّةُ إِلَّا بِهَا، إِلَّا أَنَّ هَذَا الْقِسْمَ مُكَمِّلٌ لِلْأَوَّلِ، فَهُوَ لَاحِقٌ بِهِ فِي كَوْنِهِ ضَرُورِيًّا؛ إِذْ لَا يَقُومُ الْعَيْنِيُّ إِلَّا بِالْكِفَائِيِّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْكِفَائِيَّ قِيَامٌ بِمَصَالِحَ عَامَّةٍ لِجَمِيعِ الْخَلْقِ، فَالْمَأْمُورُ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْجِهَةِ مَأْمُورٌ بِمَا لَا يَعُودُ عَلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ تَخْصِيصٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمَرْ إِذْ ذَاكَ بِخَاصَّةِ نَفْسِهِ فَقَطْ، وَإِلَّا صَارَ عَيْنِيًّا1، بَلْ بِإِقَامَةِ الْوُجُودِ، وَحَقِيقَتُهُ2 أَنَّهُ خَلِيفَةُ اللَّهِ فِي عِبَادِهِ عَلَى حَسَبِ قُدْرَتِهِ وَمَا هيء لَهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ الْوَاحِدَ لَا يَقْدِرُ عَلَى إِصْلَاحِ نَفْسِهِ وَالْقِيَامِ بِجَمِيعِ أَهْلِهِ3، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِقَبِيلِةٍ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَقُومَ بِمَصَالِحِ أَهْلِ الْأَرْضِ، فَجَعَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ خَلَائِفَ فِي إِقَامَةِ الضَّرُورِيَّاتِ الْعَامَّةِ، حَتَّى قَامَ الْمُلْكُ فِي الْأَرْضِ.
وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَطْلُوبَ الْكِفَائِيَّ مُعَرًّى مِنَ الْحَظِّ شَرْعًا أَنَّ الْقَائِمِينَ بِهِ فِي ظَاهِرِ الْأَمْرِ4 مَمْنُوعُونَ مِنْ اسْتِجْلَابِ الْحُظُوظِ لِأَنْفُسِهِمْ بِمَا قَامُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَا يَجُوزُ لوالٍ أَنْ يَأْخُذَ أُجْرَةً مِمَّنْ تَوَلَّاهُمْ عَلَى وِلَايَتِهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا لقاضٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ أَوْ لَهُ أُجْرَةً عَلَى قَضَائِهِ5، وَلَا لِحَاكِمٍ عَلَى حُكْمِهِ،