الموافقات (صفحة 829)

وَتَأَمَّلْ فِي هَذَا الْمَسَاقِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَبَسَ وَتَوَلَّى، أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [عَبَسَ: 1-2] حَيْثُ عُوتِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ مِنْ [هَذَا] 1 الْعِتَابِ، لَكِنْ عَلَى حَالٍ2، تَقْتَضِي الْغَيْبَةَ الَّتِي شَأْنُهَا أَخَفُّ بِالنِّسْبَةِ إِلَى المعاتَب، ثُمَّ رَجَعَ الْكَلَامُ إِلَى الْخِطَابِ، إِلَّا أَنَّهُ بِعِتَابٍ أخفَّ مِنَ الْأَوَّلِ3، وَلِذَلِكَ خُتِمَتِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: {كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَة} [عَبَسَ: 11] .

وَالْخَامِسُ:

الْأَدَبُ فِي تَرْكِ التَّنْصِيصِ عَلَى نِسْبَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى4، وَإِنْ كَانَ هُوَ الْخَالِقَ لِكُلِّ شَيْءٍ، كَمَا قَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ} ..... [آلِ عِمْرَانَ: 26] إِلَى قَوْلِهِ: {بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [آلِ عِمْرَانَ: 26] ، وَلَمْ يَقُلْ: "بِيَدِكَ الْخَيْرُ وَالشَّرُّ" وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ الْقِسْمَيْنِ مَعًا، لِأَنَّ نَزْعَ الْمُلْكِ وَالْإِذْلَالَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَنْ لَحِقَ ذَلِكَ بِهِ شَرٌّ ظَاهِرٌ، نَعَمْ قَالَ فِي أَثَرِهِ: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير} [آلِ عِمْرَانَ: 26] تَنْبِيهًا فِي الْجُمْلَةِ عَلَى أَنَّ الْجَمِيعَ خَلْقُهُ، حَتَّى جَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالشَّرُّ ليس إليك" 5.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015