أما الاحتمال الثاني - وهو أنه قد يعتقد ما ليس بأمر أمراً، وما

ليس بنهي نهياً - فإنه يجاب عنه بجوابين:

الجواب الأول: أن الغلط والوهم من الصحابة بعيد جداً، نظراً

لمعرفتهم الدقيقة باللغة العربية وطرق استعمالاتها وأساليبها،

ومعرفتهم يعموم وشمول هذه الشريعة لهم ولغيرهم ممن سيأتي

بعدهم إلى قيام الساعة - فلا يمكن - والأمر كذلك - أن يتساهلوا

بهذا لعلمهم بأن فيه تدليساً وتلبيساً على الأُمة، وهذا مستحيل على

الصحابة المشهود لهم بالعدالة من قِبَل اللَّه ورسوله.

لذلك يجب علينا حمل ظاهر أقوالهم وأفعالهم على أنها سليمة

وصحيحة وموافقة لما أمر به رسول اللَّه ونهى عنه - مهما أمكن -.

الجواب الثاني: وقولكم - في الاحتمال الثاني - يمكن أن يصح

لو كان الاختلاف في صيغ الأوامر والنواهي مبنيا على اختلاف

الصحابة فيها.

ولكن لم يثبت شيء من ذلك، فلم يرد عن الصحابة - رضوان

الله عليهم - أنهم اختلفوا في تلك الصيغ واقتضائها، إذ لو كان

هناك اختلاف في ذلك لنقل إلينا كما نقل إلينا اختلافهم في بعض

الأحكام الفقهية كاختلاف ابن عباس مع زيد بن ثابت في مسألة الجد

والأخوة، واختلاف عائشة مع ابن عمر في نقض شعر المرأة في

الاغتسال من الجنابة، واختلاف عليّ وعثمان في الجمع بين الأختين

الأمتين، واختلاف عليّ مع عمر في بيع أمهات الأولاد، واختلاف

علي مع ابن مسعود في المفوضة، واختلافهم في العول، وغير ذلك

من المسائل الفقهية التي نقلت إلينا.

ثم اعلم أنه ليس من ضرورة اختلاف العلماء في زمن من

طور بواسطة نورين ميديا © 2015