فجعل يقطر مسكاً ولم يقل كأنما يقطر فإن أحتج محتج بأنه ذهب إلى قول امرئ القيس:

ألمْ تَر أنّي كلّما جئتُ طارقاً ... وجدتُ بها طِيباً وإنْ لم تَطّيبِ

قيل له إنما يصح هذا التأويل لو لم يكن بعد:

تَحملُ المسكِ عن غدائرهِ الري ... حُ وتفترُّ عنْ شتيتٍ بُرودِ

فإذا كانت غدائره تحمل المسك فما حاجتنا إلى) كأنما (وبينا يخبرنا عن حمل الغدائر المسك إذ أخبرنا عن افترارها عن شتيت برود وليس بينها وبين الثغر تناسب فيجتمع بين الوصفين.

وقال المتنبي:

كُلُّ شيء من الدماءِ حَرام ... شُربُه ما خلا دم العُنْقُودِ

تحريم هذا الدم بمنزلة قوله:

يَترشفْنَ منْ فَمي رَشَفاتٍ ... هُنَّ فِيه أحْلَى من التَّوْحيدِ

كله يدخل في قلة الورع واستعارة الدم للعنقود قد سبقه إليه مسلم في قوله:

خَلطنا دماً من كرمةٍ بدمائنا ... فأظهر في الألوان مِنَّا الدّم الدّمُ

إذا شئتما أن تسقياني مُدَامةً ... فلا تقتلاها كلَّ ميتِ محرّمُ

فملح في الجمع بين دم الاستعارة ودم الحقيقة واستعار في البيت الثاني للمزاج لفظاً مليحاً في القتل وجاء بتحليل أحسن من تحليل المتنبي فصار أولى بما سبق إليه لرجحانه. وأول من سمى المزاج قتلاً للراح حسان بن ثابت فقال:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015