قلت: والله لكأنّني ما قرأتها قطّ، وإنّني إلى علم الوجه في ذلك لفقير.
فقال: دون ذلك ستر رقيق.
ثمّ تحرّك للقيام وتركني. فلمّا غاب ندمت إذ لم أكن تبعته حتى عرفت مكانه. وعظم موقع كلامه من قلبي حتى إذا كنت في حدّ الإياس منه، مرّ بي الرجل الذي كان معه فسلّمت عليه وسألته عن [213 أ] الشيخ، فعرّفني أنّه الإمام (?) وجمع بيني وبينه. فصار يقوّيني ويرمز بقرب الأمر ودنوّ العصر، ويقول في كلامه: البيت يمان والركن يمان والدين يمان والكعبة يمانيّة، ولن يقوم هذا الدين ويظهر أمره إلّا من قبل اليمن.
ثمّ قال لي يوما: يا أبا القاسم، هل لك في غربة في الله؟
قلت: الأمر إليك.
فقال: ما لليمن إلّا أنت! اصبر، كأنّي برجل يقدم من اليمن.
فقدم رجل من أهل جيشان مدينة باليمن، يشار إليه، يقال له أبو الحسن علي بن الفضل، قد خرج حاجّا في سنة ستّ وستّين ومائتين. فلمّا قضى حجّه أتى قبر الحسين بن علي عليهما السلام زائرا في جملة أهل اليمن. فاجتمع برجل من أصحاب
الإمام فحمله إليه. فلمّا رآه واختبر حاله قال لأبي القاسم: «هذا الذي كنّا ننتظره، فاعزم على اسم الله! » ودعا بعليّ بن الفضل وسأله عن أخبار اليمن وقال له: أتعرف عدن لاعة؟
قال: لا.
فقال لأبي القاسم: عدن لاعة (1*) فاقصد، وعليها فاعتمد، ففيها يظهر أمرنا.
وقال لعليّ بن الفضل: إنّني مرسل أخاك هذا داعيا إلى اليمن، وأنت معه.
وتقدّم إلى كلّ واحد منّا ناحية وأوصاه (2*).
وأعطى أبا القاسم كتابا فيه أصول ورموز، كان افتتاحه: «باسم الله الرحمن الرحيم. من أبي المسلمين وأمير المؤمنين ووارث الوارثين، وسماء الطارقين، وشمس الناظرين، وقمر المستضيئين، وقبلة المصلّين، وأمان الخائفين، وقاتل إبليس اللعين، ركن الإسلام، وعلم الأعلام، وقلم الأقلام، ويوم الأيام، ونور التمام، رسالة عبد مسكين يعمل في البحر منذ سنين لعلّ سفينته تنجو من الغرق فينجو فيها من ينجو من العطب».
ثمّ أفسح الكلام الذي أصّله والمعنى الذي أراده وقال له في عهده إليه: إن لقيت من هو ألحن بالحجّة منك، فانغمس له في الباطن.
قال: وكيف ذاك؟
قال: بقطع الكلام. وتريه أنّ تحت ما يريد الجواب به باطنا لا يمكن ذكره، فتحتجزه بذلك منه إلى أن تتهيّأ لك الحجّة عليه.