ذكرت أن أكثر المشتشرقين رأوا أن القلم العربي الذي دوّن به القرآن الكريم، أخذ من القلم النبطي المتأخر. أما المسند، فقد رأى كثير منهم أنه اشتق من الأبجديات السامية الشمالية كذلك1. وذهب بعضهم أن أنه تفرع من الأبجديات السينائية, ومنهم من قال: إن الأبجدية العربية الجنوبية تفرعت من نفس الأصل الذي أوجد الخط الفينيقي، فهي لذلك من أقدم الأبجديات المعروفة2. ونحن إذا أمعنا النظر في شكل الأبجدية الطورسينائية والمسند، نجدهما لا تتشابهان إلا في رسم حرفين أو ثلاثة3. وتتكون الأبجدية الطورسينائية من اثنين وعشرين حرفًا كالفينيقية والعبرانية. أما الأبجدية العربية الجنوبية فتتألف من تسعة وعشرين حرفًا، أي بزيادة سبعة أحرف عن أبجدية طور سيناء.
وحجة القائلين أن المسند قد أخذ من القلم الفينيقي، وأن الأبجدية الفينيقية هي أقدم الأبجديات وأم الأبجديات4. ولكننا إذا أمعنا النظر في رسم حروف الأبجديتين، نجد التشابه بينهما في هيئة الحروف ورسمها ليس كبيرًا، كما أن الأبجدية العربية الجنوبية تزيد عليها في سبعة أحرف، وهذه الأحرف الزائدة لا تختلف عن الأحرف المشتركة بين الأبجديتين في هندسة الرسم والشكل. فلعل الأبجديتين قد تفرعتا من أصل واحد5، فلا يعد المسند لذلك فرعًا نبت من الفينيقية.
وزعم نفر من الباحثين في تطور الخط أن المسند مشتق من القلم الكنعاني، ولكن بعض علماء العربية الجنوبية ينكر هذا الرأي. إذ يرى أن المسند أقدم عهدًا من الأبجدية الكنعانية، وأن الكتابات العربية الجنوبية أقدم زمنًا من أقدم الكتابات الكنعانية، فلا يصح إذن القول بأن المسند مشتق من القلم الكنعاني. ومما يلاحظ على الأبجديتين أن الأبجدية الكنعانية يعوزها من الحروف: ذ، ض، ظ، س، "سامخ"، ث، غ. ولكن الأبجديتين تشتركان اشتراكًا تامًّا في الحروف: ج، ط، ل، ن, ع، ش، ق، ت، و. وتختلفان في بعض الحروف