كثيرة العدد فيها. غير أن هذا لا يعني عدم وجود النصارى في هذا الموضع الزراعي المهم1. فكما كان في مكة رقيق وموالي يقومون بخدمة ساداتهم، كذلك كان في المدينة نفر منهم أيضًا يقومون بمختلف الأعمال التي يعهد أصحابهم إليهم القيام بها. ولا بد أن تكون لهذه الطبقة من البشر مكانة في هذه المدينة وفي أي موضع آخر من جزيرة العرب. فقد كانت هذه الطبقة عمودا خطيرا من الأعمدة التي يقوم عليها بنيان الاقتصاد في ذلك العهد، فهي بالنسبة لذلك العهد الآلات المنتجة والمعامل المهمة لأصحاب الأموال وللسادة الأثرياء، تؤدي ما يطلب منها القيام به وما يراد منها انتاجه بأجور زهيدة وبدقة ومهارة لا تتوفر عند الأحرار من العرب. ثم إن الأحرار مهما بلغ حالهم من الفقر والفاقة كانوا يأنفون من الأعمال الحرفية ونحوها مما يوكل إلى هذه الطبقة القيام به، لأنها في نظرهم من المهن المنحطة التي لا تليق بالرجل الحر مهما كان عليه من فقر وبؤس، ولهذا كان لا بد من الاستعانة بالموالي والرقيق للقيام بأكثر متطلبات حياة الإنسان.

ويفهم من بيت للشاعر حسان بن ثابت في قصيدة رقى بها النبي، وهو:

فرحت نصارى يثرب ويهودها ... لما توارى في الضريح الملجد2

أنه كان في يثرب نفر من النصارى كما كان يها قوم من يهود. وذكر أن النصارى كانوا يسكنون في يثرب في موضع يقال له: سوق النبط3.

ولعل هذه السوق هي الموضع الذي كان ينزل فيه نبط الشام الذين كانوا يقصدون المدينة للاتجار في الحبوب، فصارت موضعا لسكنى هؤلاء النصارى، وسب إليهم4. وقد ورد أن عمر بن الخطاب استعمل أبا زبيد الشاعر النصراني على صدقات قومه، وأن أبا زبيد هذا كان مقربا من الخليفة عثمان بن عفان من بعده5.

وقد كان "أبو عامر" الراهب الذي تحدثت عنه أثناء حديثي عن الأحناف،

طور بواسطة نورين ميديا © 2015