قال: {وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ} (?) زيادة في الذّنب في مخالفة الأعمال (?). ثم قال: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ} (?) إشارة إلى تأكيد المعصية بالانحراف والمعاندة والأَنَفَة عن الاستسلام (?)، ثمّ قال: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} (?) تأكيدٌ للحُجَّةِ؛ لأنّهم كانوا يَجِدُونَهُ مكتوبًا عندهم في "التّوراة" و"الإنجيل"، ثم قال: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} فبيَّنَ الغاية الّتي تمتدّ إليها العقوبة، وعيّن البَدَلَ الّذي ترتفع به (?)، وهذا من الكلام البديع.

فقبلها النَّبيّ - صلّى الله عليه وسلم - حتّى من المجوس، على ما رواه عبد الرّحمن بن عوف (?)؛ لأنّ قول: {مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} (?) كما بيَّنَّاه لم يكن شَرْطًا، وإنّما كان تأكيدًا للحُجَّةِ، وقد قال النّبيُّ - صلّى الله عليه وسلم -: "سُنُّوا بهم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ" وهذا عمومٌ اتَّفَقَ العلّماءُ على تخصيصه في الجِزْيَةِ خاصَّة دون سائر أحكام التّحريم.

وهنا نكتةٌ (?): وهي أنَّ النبيَّ - صلّى الله عليه وسلم - فرضَ الجِزْيَةَ جملة على الكُفَّار بالبحرين وبدُومَةِ الْجَنْدَلِ (?)، وتولَّى الكُفَّارُ أداءَها عن أنفسهم بما يصلُح لهم، فلمّا استوثقَ الأمرُ لعمر، ووقع بين الكفّار التَّظَالُم فيها، وخِيفَ من بعضهم التَّحامُل على البعض، ولم يكن فيها تقديرٌ لا على الأعيانِ مُفَصَّلًا، ولا على الكُلِّ مُجْمَلًا، تولَّى عُمَرُ فرضها مع الصّحابة على الاجتهاد، على الموسر قَدْرُه وعلى المقتر قَدْرُهُ، وجعلَ أعلاها أربعة دنانير، ولو كان معه بيت مال، وفرضَ عليهم مع ذلك ضيافة (?) المسلمين ومؤنة لمن يحرس أهل الذِّمَّةِ ويمنعُ من تطرقَ إليهم بالإذاية، على ما تَقَرَّرَ في عهد عُمَر، على ما أَوْرَدْنَاهُ في كُتُبِنَا.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015