يستنبطَ من القرآن مَنْ لا يحفظه؟ لانّ أصل الفقه ومعظمه كتاب الله تعالى الّذي لا يأتيه الباطل من بين يَدَيْه ولا مِنْ خَلْفِه، وهو الكتابُ الّذي قال الله فيه {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} (?) وقوله: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ} (?)، فمحالٌ أنّ يوصَفَ بالعِغِ مَنْ لا يقرأ القرآن، مع ما عُلِمَ من حال الصّحابةِ في اقتصارهم في العِلْمِ على القرآن. ولا يجوز أنّ يقصدَ ابن مسعود - مع فضله ومحلِّه من تلاوة القرآن وكونه أحد الأيمّة فيه - إلى أنّ يمدحَ زمنَ الصّحابةِ وصَدْرَ الأُمّةِ بِقِلَّةِ القُرَّاء فيه؛ لأنّ أهلَ ذلك العصر كانوا أَلْهَجَ (?) النَّاسِ بتلاوة القرآن وتَلَقِّيه من الرّكبان، وبدراسته (?) والعمل به في مواطن الشّدائد أين أصحاب البقرة ينادون بذلك (?).

الفائدة الثّانية (?):

قوله (?):"تُحْفَظُ فيه حدودُ القُرآنِ وتُضَيَّعُ حُرُوفُهُ" (?) قال علماؤنا (?): لا يخلوا أنّ يريد بها حووف القرآن من أَلِفٍ ولامٍ (?)، أو يريد به لغاته، وفي تضييعِ أحد الأمْرَيْن على الإطلاق منعٌ مِنْ تحفظه، وهذا ممّا لا يستجيزه مسلم. وإنمّا قصدَ ابن مسعود بذلك وصف الزّمان بإظهار الحقِّ وإقامةِ الحدودِ، وأنّ ذلك عامٌّ من بين راغب فيه ومَجْبُولٍ عليه ممّن يخشى أنّ يكون من المنافقين أو المُسْرِفِينَ على أنفسهم؛ لأنّه يشهد لهذا حديثُ عُقْبَة بن عامِر وغيره (?): "أكثَرُ مُنَافِقِي أُمَّتِي قرّاؤها" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015