رجعة أبي تمام هنا إلى ما كان ذكره من باب بأهل وعزب، إجمال بعد تفصيل. بدء هذا الإجمال قوله تسعون ألفًا إذ رجع به إلى روح مطلعه ثم أتبع ذلك روح صفته للحرب والفتح والحريق والاستباحة ثم يختم بمدح وحكمة تقرع الأسماع وتبقى في القلوب. وقوله إلى المخدرة العذراء- عنى عمورية، ثم ما في عمورية من عذارى سبين فافترعن.

كم أحرزت قضب الهندي مصلتة ... تهتز من قضب تهتز في كثب

بيض إذا انتضيت من حجبها رجعت ... أحق بالبيض أبدانًا من الحجب

هذا لعب لفظي معنوي مرقص. البيض السيوف. والبيض أبدانًا: نساء الروم وحجب السيوف أغمادها. وحجب النساء معروفة. فهذه البيض إذا سلت، صارت هي أحق بالروميات من خدورهن.

وهذا كله ثمرة الفتح والنصر المبين.

خليفة الله جازي الله سعيك عن ... جرثومة الدين والإسلام والحسب

بصرت بالراحة الكبرى فلم ترها ... تنال إلا على جسر من التعب

إن كان بين صروف الدهر من رحم ... موصولة أو ذمام غير منقضب

فبين أيامك اللاتي نصرت بها ... وبين أيام بدر أقرب النسب

كما بينك وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم أقرب النسب- هذا متضمن

أبقت بني الأصفر الممراض كاسمهم ... صفر الوجوه وجلت أوجه العرب

فقد سمى أبو تمام بلاد الروم الرجل المريض. ثم رد الإفرنج هذا الاسم على المسلمين من بعد فسموا تركيا رجل أوروبا المريض. {وتلك الأيام نداولها بين الناس} {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله}.

وزعم التبريزي أنه يقال «إنما يقال لملوك الروم بنو الأصفر لأن حبشيًا كان غلب على بلادهم فنكح فيهم فولد له أولاد يخالط بياضهم صفرة من سواده فازدادوا بذلك حسنًا» - أ. هـ. قلت أبي العرب أيام عزهم إلا أن يجعلوا الحبش الذين غلبوهم على اليمن، غلبوا الروم أيضًا. ولا يعلم على وجه الحقيقة لماذا كانت تسمى العرب الروم بني الأصفر، ولكن يغلب على الظن إن المراد بذلك شعور رؤوسهم إذ كان يوستنيان ملك الروم ومن قبله روسا في أصولهم في شعورهم غير ما اعتادوه من لون السواد. ولذلك قالوا صهب السبال. كما قالوا زرق العيون. قال عبد الله بن سبرة يصف الرومي:

طور بواسطة نورين ميديا © 2015