فاصطلحا على أن يحلف المدعى عليه وهو بريء من المال فحلف المدعى عليه فالصلح باطل والمدعي على دعواه إن أقام بينة أخذه بها؛ وهذا لأن المدعى عليه لو استفاد البراءة إما أن يستفيد بهذا الصلح ولا وجه إليه لأن هذا صلح مخالف قضية الشرع، لأن قضية الشرع أن يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة البينة، وإما أن يستفيد البراءة بطريق إسقاط الحق ولا وجه إليه أيضاً؛ لأن حق المدعي في إثبات ما ادعاه بالبينة ثابت شرعاً على وجه لا يتمكن من إسقاطه مع بقاء أصل حقه، وإنه لم يسقط أصل حقه حين طلب يمين المدعى عليه لا يمنع المدعي من إقامة (البينة) ، وإما أن يستفيد البراءة بالتنصيص على البراءة عند الحلف ولا وجه إليه؛ لأن البراءة معلوم بالشرط وتعليق البراءات بالشرط باطل، فإن لم يجد البينة وأراد أن يستحلف المدعى عليه عند القاضي بعد ذلك ينظر إن لم يكن الاستحلاف الأول بين يدي القاضي، فالقاضي يستحلفه ثانياً؛ لأن اليمين عند غير القاضي غير معتبرة؛ لأن المعتبر يمين قاطعة للخصومة، وإن كان الاستحلاف الأول من القاضي لا يحلفه ثانياً؛ لأن اليمين الأولى وقعت معتبرة؛ لأنها وقعت قاطعة للخصومة.
وكذلك لو اصطلحا على أن المدعي لو حلف فالمدعى عليه ضامن للمال، وحلف فالصلح باطل ولا شيء على المدعى عليه لأنه صلح على مخالفة الشرع لأنهما بهذا الصلح جعلا اليمين حجة للمدعي واليمين في الشرع لم تجعل حجة للمدعي.
قال هشام: سألت محمداً رحمه الله عن رجل له على رجل مال مؤجل فقدمه إلى القاضي قبل أن يحل المال الذي يدعيه قبله، فحلف الرجل بالله ما له اليوم عليه شيء، وجهل القاضي وقبل ذلك منه هل يسع الحالف ذلك؟ قال: إن كان لا يرى أن يذهب بحقه فأرجو أن لا يكون بأس فقلت: فهل ينبغي للقاضي أن يقبل ذلك منه؟ قال: لا ولكنه يحلفه بالله ما له قبله شيء.
وذكر في «المنتقى» في باب الاستحلاف: رجل له على رجل ألف درهم نسيئةً، فأراد أن يحلفه بها عند القاضي ينبغي للمدعى عليه أن يقول للقاضي: سله أيدعي حالاً أو نسيئةً، فإذا قال: حالاً يحلف بالله ماله عليّ هذه الألف التي يدعيها ويسعه.
وإذا ادعى رجل على رجل دعوى وجحده المدعى عليه واستحلفه القاضي على ذلك فأبى أن يحلف، فإنه ينبغي للقاضي أن يقول له: إنك نكلت عن اليمين، ومن رأي القاضي بالنكول فأعرض عليك اليمين ثلاث مرات، فإن حلفت وإلا قضيت عليك بالمال، فلو عرض عليه اليمين بعد ذلك ثلاث مرات وأبى أن يحلف قضى عليه بالمال هكذا ذكر الخصاف في كتابه، وهو مروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، ذكر روايتهم في كتاب الاستحلاف، وشرط الخصاف رحمه الله أن يقول له القاضي في كل مرة: احلف وإلا قضيت عليك.
واختلف المشايخ أن التقدير بالثلاث في عرض اليمين هل هو أمر لازم؟ وثمرة الخلاف تظهر فيما إذا قضى القاضي عليه بالنكول في المرة الأولى، هل ينفذ قضاؤه؟