ومثل هذه الألفاظ إذا وردت في الكلام وضعت من قدره، ولو كان معنى شريفًا.
وهذا القسم من الألفاظ المبتذلة لا يكاد يخلو منه شعر شاعر، لكن منهم المقلُّ ومنهم المكِْثرُ، حتى إن العاربة قد استعملت هذا، إلّا أنه في أشعارها أقلَّ, فمن ذلك قول النابغة الذبياني في قصيدته التي أولها:
من آل مية رائحٌ أو مغتدي1 ... أو دميةٍ في مرمرٍ مرفوعةٍ
بنيت بآجرٍ يشاد بقرمد2 ... فلفظة "آجر" مبتذلة جدًّا.
وإن شئت أن تعلم شيئًا من سر الفصاحة التي تضمّنها القرآن فانظر إلى هذا الموضوع، فإنه لما جيء فيه بذكر "الآجر" لم يذكر بلفظه، ولا بلفظ "القرمد" أيضًا، ولا بلفظ "الطوب" الذي هو لغة أهل مصر؛ فإن هذه الأسماء مبتذلة، لكن ذكر في القرآن على وجه آخر وهو قوله تعالى: {وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا} 3 فعبَّر عن الآجر بالوقود على الطين.
ومن هذا القسم المبتذل قول الفرزدق في قصيدته التي أولها:
عرفت بأعشاش وما كدت تعزف4
وأصبح مبيض الضريب كأنه ... على سروات النيب قطن مُنَدَّف5