إِذْ لَمْ يَكُنْ يُكْذَبُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ المصَّعْبَ وَالذَّلُولَ .. تَرَكْنَا الْحَدِيثَ عَنْهُ

ـــــــــــــــــــــــــــــ

إذْ لم يكُنْ يُكْذَبُ عليه) صلى الله عليه وسلم؛ أي: كُنّا نُحَدِّثُ ونَرْوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الأحاديثَ الحَقَّةَ الصادقةَ الصحيحةَ في الزمان الذي لا يُرْوَى عنه الكذبُ، ولا يُنْسَبُ إِليه وهو زمانُ الصحابةِ وقَرْنُهم (فلمَّا رَكِبَ النَّاسُ) في هذا العصرِ -يعني زمانَ التابعين وقَرْنَهم- الجَمَلَ (الصَّعْبَ) أي: العَسِرَ الذي لا يُطيع راكبَه، كَنَى به عن الأحاديث الموضوعة (و) الجَمَلَ (الذَّلُولَ) أي: السَّهْلَ الذي يُطِيعُ راكبَه، كَنَى به عن الأحاديثِ الصحيحةِ (?)؛ أي: فلمَّا خَلَطَ الناسُ بين الأحاديث الصحيحة والموضوعة ( .. تَرَكنا الحديثَ عنه) صلى الله عليه وسلم أي: قَلَّلْنا الروايةَ عنه صلى الله عليه وسلم، وتَرَكْنا الإِكْثارَ منها؛ خَوْفًا من وقوعِ الحديثِ في يَدِ مَنْ ليس أهلًا له، لكثرة الوَضَّاعين والكَذَّابين في هذا الزمان (?).

قال النوويُّ: (وقولُه: "الصَّعْب والذَّلُول" هذا مَثَلٌ حَسَنٌ، وأصلُه في الإِبل، فالصَّعْبُ: العَسِرُ المرغوبُ عنه، والذِّلُول: السَّهْلُ الطيِّبُ المحبوبُ المرغوبُ فيه، فمعناه: فلمَّا سَلَكَ الناسُ كُل مَسْلَكِ ممَّا يُحْمَدُ ويُذَمُّ) (?).

قال السنوسيُّ: (وقولُه: "تَرَكْنا الحديثَ عنه" يحتملُ أنْ يكونَ المرادُ تَرَكْنا حِفْظَه وقبولَه من الناس، ويحتملُ أنْ يكونَ المرادُ إِفادتَه ونشرَه.

فإنْ قلتَ: وأيُّ مناسبةٍ في تَرْكِه إِفادةَ الحديثِ ونشرَه لعدم مُحافظة غيره، بل قد يقال المناسبُ عكسُه، قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ}.

طور بواسطة نورين ميديا © 2015