وقد كان بعضهم يصلي بالليل وقد أوقد شمعةً على وجهِ أمردَ مليحٍ جميلِ الصورة، يَسْتَجلي محاسنَه في الصلاة، ويجد في قلبه من الباعثِ على الصلاة والسَّهَرِ في العبادة أمرًا عجيبًا، ويَعُدُّ ذلك من عباداته وقُرُباتِه. ولا ريب أن النفس تتحرك عند رؤية الصورة الحسنة وسماع الصوت الحسن ما لا تتحرك لغيرهما، فالأحوال والهمة التي يُثيرها سماعُ الألحان بمنزلة الأحوال والهمة التي يُثيرها استجلاءُ محاسن الصور سواء، وللشيطان بَراطيلُ ومَداخلُ، فيُلقِي في قلب الرجل أنك لا تَنظُر للفسق، ولا تسمع لِلَّهو، وإنما تنظر للعبرة، وتتذكر ما أعدَّ الله لعباده وأوليائه عند لقائه من الصور المستحسنات. فاستدل بالشاهد على الغائب، وعلى الباقي بالفاني، ألا ترى إلى قول القائل فيمن يحبه:

فإذا رآك العابِدونَ تيقَّنُوا ... حُورَ الجِنانِ لدى النعيمِ الخالدِ (?)

ويقول له: إنما تسمع أيضًا للفكرة والعبرة، وتأخذ من السماع ما لا يأخذ غيرك.

وأخبرني غير واحد ممن يجد من حاله وقلبه وهمَّته عند هذا السماع وعند رؤية الصور الجميلة ما لا يجده في غيره، فحركة القلب عند السماع كحركته عند رؤية الصور التي أمر الله أن يغضَّ بصره عنها، فهل يقول عارف باللهِ وأَمْرِه أن هذه الحركة بالله ولله؟ كلّا والله، إن هي

طور بواسطة نورين ميديا © 2015