والثاني: أنها قواعد بيت كان الله أهبطه لآدم من السماء إلى الأرض، يطوف به كما كان يطوف بعرشه في السماء، ثم رفعه إلى السماء أيام الطوفان، فرفع إبراهيم قواعد ذلك البيت. وهذا قول عبدالله بن عمر (?)، وقتادة (?)، وأبي قلابة (?)، وأبان (?).
والثالث: أنها كان موضع البيت ربوة حمراء كهيئة القبة. وذلك أن الله لما أراد خلق الأرض علا الماء زبدة حمراء أو بيضاء، وذلك في موضع البيت الحرام. ثم دحا الأرض من تحتها، فلم يزل ذلك كذلك حتى بوأه الله إبراهيم، فبناه على أساسه. وقالوا: أساسه على أركان أربعة في الأرض السابعة. وهذا قول ابن عباس (?)، مجاهد (?)، وعمرو بن دينار (?)، وعطاء ب أبي رباح (?)، وكعب (?).
وقد قال الحافظ ابن حجر: "وظاهره أنه كان مؤسَّساً قبل إبراهيم، ويحتمل أن يكون المراد بالرفع نقلها من مكانها إلى مكان البيت" (?).
وقد جعل الفخر الرازي (?)، قوله تعالى: (وَإِذْ يَرفَعُ إبرَاهيمُ الْقَوَاعدَ منَ {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127] صريحاً في أن تلك القواعد كانت موجودة متهدمة إلا أن إبراهيم رفعها وعمرها.
وقد تعقبه ابن كثير إذ قال: "وفي الاستدلال مما ذكره من الآية نظر، إذ لا يلزم وجود القواعد قبل، والله أعلم" (?).
قلت: الآية محتملة، وغالب ما ذكره الإخباريون والمفسرون مأخوذ "عن كتب أهل الكتاب وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين" (?).
وقال ابن عطية -بعد ذكره بعض الأقوال في ابتداء بناء البيت: "ولا يرجح شيء من ذلك إلا بسند يقطع العذر" (?).
وعند التأمل والنظر: نجد أن هذه الآية وقول الله-عز وجل-في الحج: {وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ} [الحج: 26]، تحتملان القولين، ونجد أن الطبري قد روى عن ابن عباس بسند صححه ابن حجر (?)، قال: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ} [البقرة: 127] قال: "القواعد التي كانت قواعد البيت قبل ذلك" (?).