وعلى هذا اختلف فيمن عنى الله بقوله {وَالْعَاكِفِينَ} [البقرة: 125]، على أقوال (?):
أحدها: أنه عنى به الجالس في البيت الحرام بغير طواف ولا صلاة. قاله ابن عباس (?)، وعطاء (?).
والثاني: أنهم المعتكفون المجاورون. قاله مجاهد (?)، وعكرمة (?).
والثالث: أنهم أهل البلد الحرام. قاله قتادة (?)، وسعيد بن جبير (?)، وروي عن الربيع (?)، نحو ذلك.
الرابع: أنهم المصلون. قاله ابن عباس (?).
والراجح: أن (العاكف) في هذا الموضع، المقيم في البيت مجاورا فيه بغير طواف ولا صلاة، لأن صفة " العكوف " ما وصفنا: من الإقامة بالمكان. والمقيم بالمكان قد يكون مقيما به وهو جالس ومصل وطائف وقائم، وعلى غير ذلك من الأحوال. فلما كان تعالى ذكره قد ذكر - في قوله: {أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود} - المصلين والطائفين، علم بذلك أن الحال التي عنى الله تعالى ذكره من " العاكف "، غير حال المصلي والطائف، وأن التي عنى من أحواله، هو العكوف بالبيت، على سبيل الجوار فيه، وإن لم يكن مصليا فيه ولا راكعا ولا ساجدا (?) ".
ج- {الرُّكَّعِ السُّجُود}: كل من يصلي هناك، واختلف المفسرون في معناه على أقوال (?):
الأول: أن (الرُّكَّعِ)، جماعة القوم الراكعين فيه له، واحدهم (راكع)، وكذلك (السجود) هم جماعة القوم الساجدين فيه له، واحدهم (ساجد).
الثاني: أن المراد بـ {الركع السجود}، المصلين. قاله ابن عباس (?)، وعطاء (?)، وقتادة (?)، ومقاتل (?).
قلت: عبر عن الصلاة بالركوع والسجود؛ لأنهما ركنان فيها؛ فإذا أطلق جزء العبادة عليها كان ذلك دليلاً على أن هذا الجزء ركن فيها لا تصح بدونه؛ و (الرُّكَّعِ) جمع راكع؛ و (السُّجُودِ) جمع ساجد.
قال ابن عطية: " وخص الركوع والسجود بالذكر لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى" (?).
القول الثاني: وقيل: أنه إذا كان طائفا فهو من الطائفين، وإذا كان جالسا فهو من العاكفين، وإذا كان مصليا فهو من الركع السجود، وهو قول عطاء (?).
والصواب هو القول الأول، لأن من حق المعطوف أن يكون غير المعطوف عليه. والله تعالى أعلم.
وهنا بدأ بـ (الطائفين)؛ لأن عبادتهم خاصة بهذا المسجد؛ ثم بـ (العاكفين}؛ لأن عبادتهم خاصة بالمساجد؛ لكنها أعم من الطائفين؛ وثلّث بـ (الرُّكَّعِ السُّجُود)؛ لأن ذلك يصح بكل مكان بالأرض؛ لقوله، عليه