واختلف أهل التفسير في معنى (البر) في هه الآية على ثلاثة أقوال (?):
أحدها: أن (البِرِّ)، هو عهد الله إلى بني اسرائيل في تصديق الرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- والدخول في الإسلام. إذ كان أهل الكتاب يأمرون الناس بالتمسك بكتاب ربهم، ويتركونه بجحود ما فيه من نبوَّة محمدٍ -صلى الله عليه وسلم-، وهو قول ابن عباس (?) -رضي الله عنه-.
والثاني: أن (البِرِّ)، هو طاعة الله وتقواه، إذ كان بنو إسرائيل يأمرون الناس بطاعة الله وبتقواه وبالبر والصوم والصلاة، وهم يعصونه. والسدي (?)، وقتادة (?)، وابن جريج (?).
والعرب قد يعبر بالبر عن الطاعة، قال الشاعِرُ:
لاهُمَّ إِنَّ آلَ بَكْرٍ دُونَكَا ... يَبرُّكَ النَّاسُ وَيَفْجُرُونَكَا
أي يُطِيعونك.
والثالث: أن (البِرِّ)، هو الأمر بالحق لدى اليهود، إذ كان هؤلاء اليهود إذا جاء الرجل يسألهم ما ليس فيه حق ولا رشوة ولا شيء، أمروه بالحق، فنزلت الآية. روي ذلك عن ابن زيد (?).
قلت: وجميع هذه الأقوال صحيحة، وإن اختلف أهل التفسير في صفة (البر) الذي كان القوم يأمرون به غيرهم، لكنه لا خلاف بينهم على أن اليهود كانوا يأمرون الناس بما لله فيه رضا من القول أو العمل، "وهم لا يفعلونه" (?).
وتجدر الإشارة بأن كلمة (البر) وردت في القرآن على وجوه (?):
أحدها: (البَرّ) - بالفتح – خلاف البحر، قال تعالى: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96]، {وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 59]، {قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام: 63]، {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [يونس: 22]، {وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا} [الإسراء: 67]، {أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا} [الإسراء: 68]، {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الإسراء: 70]، {أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [النمل: 63]، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ} [العنكبوت: 65]، {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} [الروم: 41]، {فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ} [لقمان: 32].
والثاني: (البِرّ) – بالكسر – الإحسان – ويظهر فيه التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله تعالى تارة نحو: {إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} [الطور: 28]، وإلى العبد تارة، فيقال: بر العبد ربه، أي: توسع في طاعته، فمن الله تعالى الثواب، ومن العبد الطاعة، والبر في الصدق، لكونه بعض الخير المتوسع فيه، يقال: بر في قوله، وبر في يمينه، وقول الشاعر (?):
أكون مكان البر منه ودونه ... وأجعل مالي دونه وأوامره
قيل: أردا به الفؤاد، وليس كذلك، بل أراد ما تقدم، أي: يحبني محبة البر.
ويقال: بر أباه فهو بار وبر مثل: صائف وصيف، وطائف وطيف، وعلى ذلك قوله تعالى: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [مريم: 32]. وبر في يمينه فهو بار، وأبررته، وبرت يميني، وحج مبرور أي: مقبول، وجمع البار: أبرار وبررة، قال تعالى: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ} [الانفطار: 13]، وقال: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ