وقوله تعالى: {اسْجُدُوا لآدَمَ} [البقرة: 33]، أي: اسجدوا لي مستقبلين وجه آدم، وهو كقوله تعالى: {أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ} [الإسراء: 78] أي عند دلوك الشمس وكقوله: {وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} [ص: 72] أي فقعوا لي عند إتمام خلقه ومواجهتكم إياه ساجدين (?).

وأخرج الطبري: " عن قتادة، قوله: {وإذْ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم}، فكانت الطاعة لله، والسجدة لآدم، أكرم الله آدم أن أسْجَد له ملائكته" (?).

وقد استدل من فضل آدم وبنيه بقوله تعالى للملائكة: {اسْجُدُوا لآدَمَ}، قالوا: وذلك يدل على أنه كان أفضل منهم، وهذا القول فيه نظر.

وحكى النقاش عن مقاتل: "أن الله إنما أمر الملائكة بالسجود لآدم قبل أن يخلقه" (?).قال ابن عطية: "والقرآن يرد على هذا القول" (?).

وقال قوم: "سجود الملائكة كان مرتين" (?). قال ابن عطية: "والإجماع يرد هذا" (?).

واختلف اهل العلم في كيفية سجود الملائكة لآدم بعد اتفاقهم على أنه لم يكن سجود عبادة، وذكروا وجوها في ذلك (?):

أحدها: كان هذا أمرا للملائكة بوضع الجباه على الأرض، كالسجود المعتاد في الصلاة، لأنه الظاهر من السجود في العرف والشرع، وعلى هذا قيل: كان ذلك السجود تكريما لآدم وإظهارا لفضله، وطاعة لله تعالى، وكان آدم كالقبلة لنا، ومعنى "لآدم": إلى آدم، كما يقال صلى للقبلة، أي إلى القبلة. وهذا قول الجمهور.

والثاني: لم يكن هذا السجود المعتاد اليوم الذي هو وضع الجبهة على الأرض، ولكنه مبقى على أصل اللغة، فهو من التذلل والانقياد، أي اخضعوا لآدم وأقروا له بالفضل، {فَسَجَدُوا} أي امتثلوا ما أمروا به.

قال ابن عطية: " وفي هذه الوجوه كلها كرامة لآدم عليه السلام" (?).

واختلف أيضا هل كان ذلك السجود خاصا بآدم عليه السلام أم كان مباحا إلى عصر الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وفيه قولين:

أحدهما: أن ذلك السجود كان خاصا بآدم فلا يجوز السجود لغيره من جميع العالم إلا لله تعالى.

والثاني: أن ذلك السجود كان جائزا بعد آدم إلى زمان يعقوب عليه السلام، لقوله تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّداً} [يوسف: 100] فكان آخر ما أبيح من السجود للمخلوقين.

والصحيح: أن سجود التحية والإكرام كان مباحا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان مباحا في الشرائع السابقة إلى أن نسخ في شريعتنا، ومن المعلوم أن السجود لغير الله على وجه العبادة لم يكن مباحاً في أية شريعة فكل الأنبياء نهوا عن ذلك وبلغوا أقوامهم، روي عن عبدالله بن أبي أوفى أنه: لمَّا قدِمَ معاذٌ منَ الشَّامِ سجدَ للنَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ قالَ ما هذا يا مُعاذُ قالَ أتيتُ الشَّامَ فوافقتُهُم يسجُدونَ لأساقفتِهِم وبطارقتِهِم فوَدِدْتُ في نَفسي أن نفعلَ ذلِكَ بِكَ فقالَ رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ "وسلَّمَ فلا تفعَلوا فإنِّي لو كُنتُ آمرًا أحدًا أن يسجُدَ لغيرِ اللَّهِ لأمَرتُ المرأةَ أن تسجُدَ لزوجِها والَّذي نَفسُ محمَّدٍ بيدِهِ لا تؤدِّي المرأةُ حقَّ ربِّها حتَّى تؤدِّيَ حقَّ زوجِها ولو سألَها نفسَها وَهيَ علَى قتَبٍ لم تمنعْهُ" (?).

طور بواسطة نورين ميديا © 2015