حيث ذكر الله الذباب والعنكبوت فيما أنزل من القرآن على محمد، أي شيء يصنع بهذا؟ فأنزل الله هذه الآية" (?).
والقول الأول هو الأقرب إلى الصواب، قال الماوردي، "وتأويل الربيع أحسن، والأولُ أشبَهُ" (?).
وقد اختار القول الأول، الإمام الطبري (?)، "لأنه أمس بالسورة، وهو مناسب، وذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها. فلأن يكون هذا القول - أعني قوله: " إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما " - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور" (?).
قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا} [البقرة: 26]، "أي إن الله لا يستنكف ولا يمتنع عن أن يضرب أيُّ مثلٍ كان، بأي شيءٍ كان، صغيراً كان أو كبيرا" (?).
وقوله: {أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا} [البقرة: 26]، فهو أن يبيِّن ويصف، كما قال جل ثناؤه: {ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلا مِنْ أَنْفُسِكُمْ} [سورة الروم: 28]، بمعنى وصف لكم (?)، وكما قال الكُمَيْت (?):
وَذَلِكَ ضَرْبُ أَخْمَاسٍ أُرِيدَتْ ... لأَسْدَاسٍ، عَسَى أَنْ لا تَكُونَا
بمعنى: وصف أخماس.
و(المثَل): الشبه، يقال: هذا مَثَل هذا ومِثْله، كما يقال: شبَهُه وشِبْهه، ومنه قول كعب بن زهير (?):
كَانَتْ مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ لَهَا مَثَلا ... وَمَا مَوَاعِيدُهَا إِلا الأَبَاطِيلُ
يعني شَبَهًا.
قوله تعالى: {بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26]، " أي سواء كان هذا المثل بالبعوضة أو بما هو دونها في الحقارة والصغر، فكما لا يستنكف عن خلقها، كذلك لا يستنكف عن ضرب المثل بها" (?).
واختلف في قوله تعالى {فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة: 26] على أوجه (?):
أحدها: دونها في الصغر، والقلة والحقارة (?):