أحدهما: يعني من مثل هذا القرآن، وهذا قول مجاهد (?) وقتادة (?)، واختاره الطبري (?)، وابن كثير (?)، ودليلهم على ذلك قوله تعالى: {فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [هود: 13] وقوله: {لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ} [الإسراء: 88].
والثاني: من مثل محمد صلى الله عليه وسلم، يعني: من رجل أمي مثله (?).
والقول الراجح هو الأول، لأن التحدي عام لهم كلهم، مع أنهم أفصح الأمم (?).
قال أبو الهيثم: والسورة من سور القرآن عندنا: قطعة من القرآن، سبق وُحْدانُها جَمْعَها، كما أن الغرفة سابقة للغرف، وأنزل الله القرآن على نبيه صلى الله عليه وسلم شيئاً بعد شيء، وجعله مفصلاً، وبيّن كل سورة بخاتمتها وبادئتها، وميزها من التي تليها" (?).
قوله تعالى: {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ} [البقرة: 23]، أي: وادعوا "الذين تشهدون لهم بالألوهية، وتعبدونهم كما تعبدون الله، ادعوهم ليساعدوكم في الإتيان بمثله" (?).
قال الصابوني: " أي: وادعوا أعوانكم وأنصاركم الذين يساعدونكم على معارضة القرآن" (?).
قال ابن عثيمين: " وهذا غاية ما يكون من التحدي: أن يتحدى العابدَ والمعبودَ أن يأتوا بسورة مثله" (?).
قا أبو علي الجرجاني: معنى (ادعوا): استعينوا" (?).
قال الواحدي: " (الشهداء): جمع شهيد والشهيد يجوز أن يكون بمعنى: مشاهد كالجليس والشريب والأكيل والشريك، ويجوز أن يكون بمعنى: شاهد كالعليم والعالم، والقدير القادر، ويجوز أن يكون بمعنى: مشهود فعيل بمعنى مفعول، والشهود: الحضور، ومنه قوله تعالى {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ} [البقرة: 185] أي حضر، والمشاهد للشيء: الحاضر عنده، وسمي الشاهد شاهداً: لأنه يخبر عما شاهد" (?).
واختلفوا في {وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23]، على أقوال:
أحدها: يعني أعوانكم على ما أنتم عليه، وهذا قول ابن عباس (?).
قيل: "سمى أعوانهم شهداء، لأنهم يشاهدونهم عند المعاونة، وهذا القول اختيار أبي إسحاق (?) " (?).
كما أن (الدعاء) على هذا القول بمعنى: الاستعانة، والعرب كثيراً ما تستعمل (الدعاء) في معنى الاستعانة، وذلك أن الإنسان إذا إستعان بغيره دعاه، فلما كان في الاستعانة يحتاج إلى الدعاء، سمى الاستعانة دعاء.
من ذلك قول الشاعر (?):
دَعَوْتُ بني قَيْس إليَّ فَشَمَّرَتْ ... خَنَاذِيذُ مِنْ سَعْدٍ طِوَالُ السَّواعِدِ
أي استعنت بهم. ألا تراه يقول: فَشَمَّرَتْ.
وقالت امرأة من طيء (?):
دَعَا دَعْوَةً يَوْمَ الشَّرى يَالَ مَالِكٍ ... ومَنْ لا يُجِبْ عِنْدَ الحَفِيظَة يُكْلَمِ أي استعان بهم فلم ينصروه (?).
والثاني: ناساً يشهدون لكم، وهو قول مجاهد (?).
والثالث: شهداءكم عليها إذا أتيتم بها أنها مثلُه، مثل القرآن، وهو قول ابن جُريج (?).
والرابع: آلهتكم، لأنهم كانوا يعتقدون أنها تشهد لهم (?)، وهذا قول الفراء (?)، وأبو مالك (?)، وابن قتيبة (?).
قال الواحدي: "والدعاء هاهنا بمعنى الاستغاثة والاستعانة قريب من السواء، وعلى هذا (شهيد) بمعنى مشهود، وآلهتهم كانت مشهودة لهم، لأنهم كانوا يشهدونها ويحضرونها" (?).
والراجح هو القول الأول: أي شُهداءكم الذين يُشاهدونكم ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم (?).
قوله تعالى: {مِنْ دُونِ اللَّهِ} [البقرة: 23]، "أي: مما سوى الله" (?).
قال الصابوني: أي: "غير الله سبحانه" (?).
قال البيضاوي: " والمعنى وَادْعُوا للمعارضة من حضركم، أو رجوتم معونته من إنسكم وجنكم وآلهتكم غير الله سبحانه وتعالى، فإنه لا يقدر على أن يأتي بمثله إلا الله" (?).