قوله تعالى: {عُمْيٌ} [البقرة: 18]، "أي: كالعمي لا يبصرون الهدى ولا يتبعون سبيله" (?).
قال ابن عباس: "لا يبصرونه" (?). أي الهدى. وروي نحوه عن السدي (?)، وقتادة" (?).
والعمى: ذهاب البصر، وقد عمي فهو أعمى، وقوم عمي، وأعماه الله، وتعامى الرجل: أرى ذلك من نفسه. وعمي عليه الأمر إذا التبس، ومنه قوله تعالى: {فَعَمِيَتْ عَلَيْهِمُ الأَنْبَاءُ يَوْمَئِذٍ} [القصص: 66] (?).
وليس الغرض مما ذكرناه نفي الإدراكات عن حواسهم جملة، وإنما الغرض نفيها من جهة ما، تقول: فلان أصم عن الخنا، كما قالوا (?):
أصم عما ساءه سميع
أي: لا يسمع ما ساءه مع كونه سميعا، يضرب مثلا للرجل يتغافل عما يكره.
وقال آخر (?):
وَعَوْرَاءُ اللِّئَامِ صَمَمْتُ عَنْهَا ... وَإِنِّي لَوْ أَشَاءُ بِهَا سَمِيعُ
وقال مسكين الدارمي (?):
أَعْمَى إِذَا مَا جَارَتِي خَرَجَتْ ... حَتَّى يُوَارِيَ جَارَتِي السِّتْرُ
وَأَصَمُّ عَمَّا كَانَ بَيْنَهُمَا ... سَمْعِي وَمَا بِالسَّمْعِ مِنْ وَقْرِ
فوصف نفسه لتركه النظر والاستماع بالعمى والصمم.
قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18]، "أي: لا يرجعون عما هم فيه من الغي والضلال" (?).
قال الثعلبي: أي: " عن الضلالة والكفر الى الهداية والإيمان" (?).
قال ابن عثيمين: " الفاء هذه عاطفة، لكنها تفيد السببية، أي: بسبب هذه الأوصاف الثلاثة لا يرجعون عن غيِّهم؛ فلا ينتفعون بسماع الحق، ولا بمشاهدته، ولا ينطقون به" (?).
وتعددت عبارات أهل التفسير في قوله تعالى: {فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ} [البقرة: 18] على وجوه:
أحدها: معناه: " لا يرجعون إلى هدى" قاله ابن عباس (?). وكذلك فسره الربيع بن أنس (?)، والسدي (?).
والثاني: معناه: " أي لا يتوبون ولا يذكرون" (?).
قال ابن كثير: " أي لا يرجعون الى الهدى والاسلام (?)، لأنهم تركوا الحق بعد أن عرفوه، فلا يرجعون، بخلاف من ترك الحق عن جهل وضلال كالنصارى ونحوهم، فإنه لا يعقل، وهو أقرب رجوعاً منهم (?).